في تحرك دولي جديد يعكس تصاعد الحراك الخارجي حول ليبيا، كشف موقع «أفريكا إنتليجنس» الفرنسي عن تنظيم فرنسا والولايات المتحدة اليوم الأربعاء اجتماعًا غير رسمي في قصر الإليزيه بباريس، جمع مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية الموقتة إبراهيم الدبيبة، ونائب قائد القيادة العامة الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، وسط حديث عن محاولة دفع اتفاق سياسي يمهد لتوحيد المؤسسات وتشكيل حكومة موحدة، في وقت ما تزال فيه العملية الانتخابية معلقة والتجاذب الداخلي قائمًا بين مسارات دولية متوازية ومواقف محلية متحفظة على طبيعة هذه اللقاءات وتوقيتاتها.
وبحسب الموقع الفرنسي، فإن الاجتماع جرى بتنسيق مباشر بين المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى ليبيا، بول سولير، وكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، مع هدف معلن يتمثل في السعي إلى اتفاق لتوحيد المؤسسات الوطنية، على قاعدة تفاهم سياسي بين الطرفين اللذين يمثلان نفوذًا عمليًا داخل معسكرين رئيسيين في غرب البلاد وشرقها، وتحدث التقرير عن أمل الوسطاء في الوصول إلى «توافق بين العائلتين الحاكمتين» بما يسمح بإطلاق مسار مؤسساتي جديد يخفف من حدة الانقسام ويعيد ترتيب مراكز القرار، لا سيما في الملفات السيادية والأمنية والاقتصادية.
تقاسم وظائف
وأشار «أفريكا إنتليجنس» إلى أن إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر وصلا بالفعل إلى باريس للتفاوض على تشكيل حكومة موحدة يتقاسمان فيها المسؤوليات، في صيغة تعكس توجهًا نحو تسوية «تقاسم وظائف» بدل تسوية انتخابية كاملة، وهو ما يعيد إلى الواجهة أسئلة الشرعية السياسية وحدود دور المؤسسات القائمة، خصوصًا أن الأطراف الليبية لم تتوافق حتى الآن على القاعدة الدستورية أو قواعد تنظيم الانتخابات التي يدفع بها المجتمع الدولي منذ سنوات، فيما بقيت المبادرات الأممية المتعاقبة عاجزة عن إنتاج مسار نهائي ملزم يُنهي المرحلة الانتقالية.
ويأتي هذا اللقاء في سياق تزايد نشاط مسعد بولس في الملف الليبي منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث تتعامل واشنطن مع ليبيا باعتبارها مساحة مرتبطة بتوازنات الطاقة والأمن في المتوسط، وبوابة تؤثر في ملفات الهجرة ومنافسة النفوذ الدولي في شمال إفريقيا، وهو ما يفسر تركيز التحركات الأمريكية على ربط المسار السياسي بملفات الطاقة وإعادة حضور الشركات الأمريكية إلى سوق النفط الليبي، خاصة مع تأكيد تقارير غربية أن واشنطن تضع قطاع النفط في قلب مقاربتها لأي «توحيد مؤسساتي» قابل للاستمرار.
وخلال الأيام الأخيرة، وسّع بولس اتصالاته إقليميًا عبر لقاءات منفصلة مع وزيري خارجية الجزائر وتونس أحمد عطاف ومحمد علي النفطي، في إطار جولة شملت تونس والجزائر بعد زيارته لليبيا، وهو ما يشي بمحاولة بناء غطاء إقليمي داعم لأي صيغة سياسية مقترحة، أو على الأقل ضمان عدم اعتراض دول الجوار على مسار تفاهمات قد يُراد له أن يتطور من «لقاءات غير رسمية» إلى إطار أكثر انتظامًا، خصوصًا في ظل إعادة تفعيل آلية التشاور الثلاثي بين مصر وتونس والجزائر التي أعادت التأكيد على مبدأ «الحل الليبي الداخلي» مع رفض التدخلات الخارجية.
وكان بولس قد زار طرابلس في 25 كانون الثاني/ يناير لحضور افتتاح قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد التي نظمتها حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وشهدت توقيع اتفاقيات مع شركات أمريكية، قبل أن ينتقل إلى بنغازي للقاء صدام حفتر، وفي بنغازي ناقش أيضًا مع مدير عام صندوق التنمية وإعادة الإعمار بلقاسم خليفة حفتر آليات التنسيق للنسخة الثانية من المنتدى الليبي–الأمريكي المقرر عقده في أيار/ مايو المقبل، وهي تفاصيل تمنح البعد الاقتصادي حضورًا واضحًا في مسار الاتصالات، وتُظهر أن واشنطن تسعى إلى تثبيت قنوات تعاون طويلة الأمد تتجاوز مجرد لقاءات سياسية عابرة.
خلفية هذا المسار تعود إلى أيلول/ سبتمبر 2025 حين جمع بولس للمرة الأولى إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر في روما في اجتماع غير رسمي، خصص لبحث قضايا أمنية وعسكرية وسياسية وملفات تتعلق بالطاقة، وسط تسريبات تناولت اشتراطات وضعتها واشنطن لضبط العلاقة بين أطراف الصراع، وفي هذا الإطار تحدثت تقارير فرنسية، من بينها ما نشرته مجلة «جون أفريك»، عن ثلاثة شروط وضعت كقاعدة لأي نقاشات مستقبلية، شملت تحييد المشير خليفة حفتر عن أي صراع محتمل في غرب البلاد، وتبادل محتجزين، وملف إدارة المؤسسة الوطنية للنفط الذي اعتُبر النقطة الأكثر حساسية نظرًا لارتباطه بمصالح الشركات الدولية وبتوازنات السيطرة على الإيرادات.
تحذيرات متكررة من التصعيد
وتزامن لقاء روما حينها مع أجواء توتر في طرابلس وتحشيد عسكري، وهي لحظة دفعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى إطلاق تحذيرات متكررة من التصعيد، كما أصدرت بعثة الاتحاد الأوروبي مواقف داعية إلى تجنب أي خطوات تهدد الاستقرار والانسحاب من المناطق العمرانية، ما جعل التحركات الأمريكية تُقرأ أيضًا كمسعى لتفادي انفجار أمني يعيد البلاد إلى مربع المواجهة المسلحة، وهو ما يفسر تركيز بعض اللقاءات على ترتيبات أمنية انتخابية أو على تفاهمات الحد الأدنى التي تمنع تعطيل المسارات السياسية بالقوة.
وفي السنوات الأخيرة، حاولت بعثة الأمم المتحدة تمرير عدة صيغ سياسية دون نجاح حاسم، وكان آخرها دعم محاولات تفاهم بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإنتاج قاعدة دستورية تفتح الطريق أمام انتخابات وطنية، إلا أن الانقسام ظل قائمًا، وارتبط الفشل بعجز الأطراف عن التوافق على شروط الترشح وتوزيع الصلاحيات والمسار القانوني الملزم، ما دفع البعثة الأممية لاحقًا إلى توسيع أدواتها عبر تشكيل لجنة استشارية ثم إطلاق «الحوار المهيكل» بمسارات متعددة، في محاولة لإيجاد نقاط مشتركة تدريجية بدل انتظار صفقة كبرى يصعب تحقيقها في ظل توازنات السلاح والانقسام المؤسسي.
وفي مقابل هذا الحراك، برزت خلال الأيام الماضية مواقف محلية متحفظة على الطريقة التي تُدار بها اللقاءات الدولية، إذ كانت تنسيقية الأحزاب الليبية قد عبرت عن نظرة «ريبة» تجاه اجتماعات مسعد بولس، معتبرة أنها تُنظم بصورة انتقائية وتعيد إنتاج الوجوه نفسها، كما أدانت عقد لقاءات إقليمية حول ليبيا دون تمثيل ليبي جامع، محذرة من أن أي مسارات خارجية لا تُبنى على مشاركة واسعة وشفافة قد تتحول إلى إدارة للأزمة بدل حلها، وهو اعتراض يعكس حساسية متنامية لدى قوى مدنية من اختزال التمثيل الليبي في عدد محدود من الفاعلين المرتبطين بالسلطة التنفيذية أو القيادات العسكرية.
محاولة لخلق قناة تفاوضية
ويرى مراقبون أن اجتماع باريس، وإن قُدّم بوصفه لقاء غير رسمي، يحمل دلالات تتجاوز الشكل البروتوكولي، لأنه يعكس توجهًا لخلق قناة تفاوضية مباشرة بين شرق البلاد وغربها عبر شخصيات تُعد قريبة من دوائر القرار الفعلي، بما قد يفتح الباب أمام صيغة «توحيد مؤسسات» تبدأ بالحكومة والملفات السيادية، ثم تمتد لاحقًا نحو ترتيبات أمنية وإدارية تسمح بإطلاق استحقاق انتخابي، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مشروطًا بقدرة الأطراف على تجاوز معضلة الشرعية والقبول الشعبي، إضافة إلى ضرورة ضمان عدم تحوله إلى صفقة تقاسم سلطة قصيرة الأجل تُنتج انقسامًا من نوع جديد بدل إنهاء الانقسام القائم.
ويُتوقع أن يثير أي مسار نحو «حكومة موحدة» نقاشًا داخليًا واسعًا حول معايير تشكيلها وتوزيع صلاحياتها وعلاقتها بالمؤسسات الحالية، خاصة أن تجربة الحكومات الانتقالية السابقة أظهرت هشاشة التوافقات حين لا تُربط بجدول زمني واضح للانتخابات وبضمانات رقابية على إدارة الموارد، وفي هذا السياق يبقى ملف النفط والمؤسسة الوطنية للنفط وإيرادات الدولة أحد المفاتيح التي قد تحدد اتجاهات التفاهمات، باعتبار أن أي اتفاق سياسي لا يضع إطارًا لإدارة الموارد وتوزيعها سيكون معرضًا للاهتزاز مع أول أزمة مالية أو صراع نفوذ جديد.
وعلى الرغم من أن تحركات باريس وروما والاتصالات الإقليمية تبدو وكأنها محاولة لتسريع الحل عبر قنوات غير تقليدية، فإن واقع الانقسام السياسي وتعدد مراكز القوة واستمرار المخاوف الأمنية في طرابلس وأطراف أخرى يجعل مسار التوحيد محفوفًا بالعراقيل، ويجعل أي اختراق محتمل بحاجة إلى غطاء داخلي أوسع من مجرد تفاهمات بين شخصيات نافذة، بما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار الموازنة بين «البراغماتية السياسية» التي تبحث عن تسوية سريعة، وبين مطلب الشرعية الانتخابية الذي لا يزال يمثل العنوان الأكثر قبولًا لدى قطاعات واسعة من الليبيين الباحثين عن نهاية واضحة للمرحلة الانتقالية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات