أخبار عاجلة

إسقاط مطلبي التعويض والاعتذار عن نص تجريم الاستعمار يثير ردود شعبية غاضبة في الجزائر

قوبل تحفظ مجلس الأمة الجزائري على بنود نص قانون تجريم الاستعمار المتعلقة بالتعويض والاعتذار، بردود فعل متباينة، بعضها تساءل عن الأسباب، وبعضها الآخر أبدى تفهمه لـ”منطق الدولة” الذي يجب أن تُقاس به هذه المسائل، في ظل تعقيدات ملف الذاكرة والعلاقات الجزائرية-الفرنسية.
وجاءت هذه المواقف عقب مصادقة مجلس الأمة على قانون تجريم الاستعمار الفرنسي مع التحفظ على 13 مادة مرتبطة بمسألتي التعويض والاعتذار، وهي خطوة أثارت نقاشا سياسيا وإعلاميا، خاصة في ظل الأهمية التي أحيط بها هذا المقترح منذ إعادة بعثه قبل نحو سنة.
في هذا السياق، عبّر المؤرخ والبرلماني السابق أرزقي فراد عن موقف شديد الانتقاد لتحفظ مجلس الأمة، معتبرا أن إسقاط المواد المتعلقة بالتعويض والاعتذار أمر “محزن” ولا يجد له مبررا، لا سياسيا ولا أخلاقيا. وأكد فراد أن خبر المصادقة مع التحفظ كان “أشد وقعا من الصاعقة”، لأن هذه المواد تمثل، حسبه، جوهر قانون تجريم الاستعمار.
وتساءل المؤرخ و(ابن الشهيد خلال الثورة التحريرية الجزائرية) عن كيفية إسقاط مطالب التعويض والاعتذار في وقت قدّمت فيه دول أوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، تعويضات لليهود عن جرائم الحرب العالمية الثانية، كما استحضر موقف فرنسا نفسها من قضايا تاريخية أخرى، مثل مطالبتها تركيا بالاعتراف بجرائم ضد الأرمن.
وذكّر فراد باعتراف مثقفين ومؤرخين فرنسيين بأن ما ارتكبه الاستعمار الفرنسي في الجزائر يندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية، مستشهدا بكتابات جان بول سارتر وأعمال المؤرخ أوليفيي لوكور غرانميزون، معتبرا أن هذه الشهادات وحدها كافية للمطالبة بالتجريم والتعويض والاعتذار. وخلص إلى أن التحفظ يشكل، في نظره، “خدشا للسيادة الوطنية”، داعيا اللجنة المتساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان إلى تصحيح ما وصفه بالخلل وإعادة “الروح” إلى القانون.
في المقابل، قدّم الباحث في الحركات الإسلامية لخضر رابحي قراءة مختلفة، ركز فيها على تعقيد العلاقة بين الجزائر وفرنسا، وحق الدولة في التفكير بعيدا عن الانفعال. واعتبر رابحي أن منطق الدولة يفرض اتخاذ القرارات وفق حسابات المصالح الاستراتيجية والتاريخ وأمانة الأجيال، لا وفق ردود فعل عاطفية.
وأشار إلى أن تحفظ مجلس الأمة قد يُفهم كرسالة ضمنية عن حسن نية أو رغبة في تصفية العلاقات من حمولة الكراهية والتوظيف الذي لا يخدم المصالح العليا، مؤكدا أن القرار، حين يُترك للدولة ويحتضنه الشعب، قد يفضي إلى نتائج مفاجئة.

أما الخبير الاقتصادي سليمان ناصر، فقد عبّر عن حيرة وتساؤلات واسعة إزاء تحفظ مجلس الأمة، معتبرا أن المصادقة على جزء من القانون ورفض جزء آخر تمثل “تعطيلا من نوع آخر”. وذكّر بأن مطالب إحياء قانون تجريم الاستعمار ظلت لسنوات، داعيا إلى توثيق من عطّل تمريره سابقا “للتاريخ”.
وطرح ناصر أسئلة مباشرة حول أسباب الاختلاف بين مصادقة المجلس الشعبي الوطني بالإجماع ودون تحفظ، وتحفظ مجلس الأمة، متسائلا عن الإشكال في مسألتي التعويض والاعتذار، في ظل ما تعرضت له الجزائر من نهب وتدمير طيلة 132 سنة.
مجلس الأمة يرد
وفي بيانه الذي أعقب التصويت، أكد مجلس الأمة أن التحفظ على مسألتي الاعتذار والتعويض يندرجان في إطار ما أسماه الانسجام مع التوجهات الوطنية الثابتة للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة، والقائمة أساسا على المطالبة بالاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، بما يضمن توافق الإطار التشريعي مع الموقف السياسي السيادي.
وأشار تقرير لجنة الدفاع بمجلس الأمة الذي تلي بالمناسبة إلى أن النص يُعد تجسيدا لالتزام الدولة الجزائرية، بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، بصون الذاكرة الوطنية وترسيخ الحقيقة التاريخية بشأن الجرائم الاستعمارية المرتكبة في الجزائر خلال الفترة الممتدة من 1830 إلى 1962. كما ثمّنت اللجنة، وفق ما ورد في التقرير، المقاصد الجوهرية للنص ومراميه القانونية والتاريخية.
غير أن اللجنة سجّلت، في المقابل، تحفظات وُصفت بالموضوعية على بعض أحكام النص، ولا سيما المواد المتعلقة بمسألتي التعويض والاعتذار، معتبرة أنها لا تنسجم مع التوجه الوطني الثابت الذي يركز على مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية. وأكد التقرير أن هذا التحفظ يهدف إلى تحقيق الانسجام بين الموقف السياسي السيادي للدولة والإطار التشريعي المنظم له، بما يعزز تماسك النص ونجاعته القانونية والمؤسساتية.
وبناء على ذلك، دعت لجنة الدفاع الوطني إلى عدم المصادقة على المواد: الأولى، و5، و7، و9، و10، و15، و16، و17، و18، و20، و21، و25، و26، مع الدعوة إلى إعادة ضبطها وتجويدها من حيث الصياغة والمضمون، بما يرفع جودة التشريع ويضمن فعاليته، في إطار احترام الثوابت الوطنية والموقف السيادي للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة.
عقب ذلك، صوّت أعضاء مجلس الأمة بالإجماع على نص القانون، مع التحفظ على 13 مادة. وعلى ضوء هذا الموقف، واستنادا إلى أحكام المادة 145 الفقرة 5 من الدستور، والمادة 40 من القانون العضوي رقم 16-12 المنظم للعلاقات بين المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، والعلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، سيتم تطبيق الإجراءات الدستورية والقانونية المعمول بها لمعالجة هذا الاختلاف، في إشارة إلى تفعيل آلية اللجنة المتساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان لإعادة صياغة المواد المختلف عليها.
وفي كلمة له بعد المصادقة، نوّه ممثل الحكومة، وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تاشريفت، بالنقاش البرلماني المسؤول الذي رافق دراسة نص قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، معتبرا أن “هذا النص يعكس الإرادة الشعبية الراسخة في صون الذاكرة الوطنية ورفض أي مساومة أو تجزئة لها، انسجاما مع التوجهات العليا للدولة بقيادة رئيس الجمهورية”.
من جهته، أكد رئيس لجنة الدفاع الوطني، الحاج نور، أن نص القانون يشكل محطة تاريخية في مسار صون الذاكرة الوطنية والوفاء لتضحيات الشهداء والمجاهدين، موضحا أنه “يندرج ضمن الموقف السيادي للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة، المنسجم مع توجهات رئيس الجمهورية المطالِبة بالاعتراف بالجرائم الاستعمارية”.
وكان النص الذي نزل من الغرفة الأولى للبرلمان يشير في مادته التاسعة إلى أن “الدولة الجزائرية تسعى بكل الوسائل والآليات القانونية والقضائية، في إطار يضمن الاعتراف والاعتذار الرسميين من طرف دولة فرنسا عن ماضيها الاستعماري”. أما المادة 10، فتنص على ما يلي: “يعتبر التعويض الشامل والمنصف، عن كافة الاضرار المادية والمعنوية التي خلفها الاستعمار الفرنسي، حقا ثابتا للدولة والشعب الجزائري”.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات