أخبار عاجلة

مقترح قانون تجريم الاستعمار في الجزائر يتجّه لإسقاط مطلبي الاعتذار والتعويض

يتجّه مقترح قانون تجريم الاستعمار في الجزائر، لإسقاط مطلبي الاعتذار والتعويض مع الاكتفاء بمطلب الاعتراف، في تحوّل يراد من خلاله الانسجام مع توجه الرئيس عبد المجيد تبون الذي عبّر عنه في خطابه أمام البرلمان بغرفتيه سنتي 2024 و2025.

ويجد هذا التوجه دعمه المباشر في التقرير التمهيدي الذي أعدته لجنة الدفاع الوطني بمجلس الأمة حول نص القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر الذي أحيل عليها بعد المصادقة عليه من قبل المجلس الشعبي الوطني قبل أيام (الغرفة الأولى للبرلمان).

وخلصت فكرة التقرير الذي اطلعت عليه “القدس العربي” إلى أن جوهر المقاربة المعتمدة يتمثل في تثبيت مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية كقاعدة للمسؤولية التاريخية والقانونية، دون الخوض في مطالب الاعتذار أو التعويض ذات الطابع السياسي أو المادي.

واستخلصت اللجنة من مجمل الدراسة والشروحات أن نص القانون يندرج ضمن ما وصفته بالمسعى الوطني الثابت الذي أرساه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لصون الذاكرة الوطنية وحمايتها من محاولات الطمس والتزييف، وترسيخ حقيقة الجرائم الاستعمارية كجزء لا يتجزأ من الوعي الجماعي للأمة.

وذكّر التقرير بأن رئيس الجمهورية جعل من ملف الذاكرة قضية سيادية، من خلال إقرار الثامن من ماي يوما وطنيا للذاكرة سنة 2020، واسترجاع جماجم 24 من قادة المقاومة الشعبية في جويلية من السنة نفسها، وربط هذا المسار بتعهداته المستلهمة من رمزية نوفمبر 1954، وتكريسه في تعديل الدستور.

وانطلاقا من هذا التصور، اعتبرت اللجنة أن نص القانون يأتي لتحصين الذاكرة بقوة التشريع، ونقلها من مطلب أخلاقي أو رمزي إلى التزام قانوني ومؤسساتي، يضمن حق الأجيال القادمة في معرفة الحقيقة كاملة دون تحريف أو إنكار.

كما ربط التقرير هذا التوجه بالموقف الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية في خطابه أمام البرلمان في ديسمبر 2024 و2025، حين أكد أن الجزائر تطالب بالاعتراف بجرائم الاستعمار ولا تطالب بالاعتذار أو التعويض، لأن قيمة شهدائها لا تقاس بالمقابل المادي.

وبناء على ذلك، ثمنت اللجنة النص وما تضمنه من أحكام، مع تسجيل تحفظات تتعلق بمسألتي التعويض والاعتذار لعدم انسجامهما مع التوجه الوطني القائم على مطلب الاعتراف، مؤكدة أن النص يمثل خطوة حاسمة في تعزيز العدالة التاريخية وصون الذاكرة الوطنية، مع الدعوة إلى إدخال تحسينات تضمن تماسكه وحصافته التشريعية.

وفي هذا السياق، ركّزت اللجنة على ضرورة أن يعكس النص بوضوح مطلب الجزائر في الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية باعتباره أساس المسؤولية التاريخية والقانونية، دون الخلط بينه وبين مفاهيم الاعتذار ذات الطابع السياسي غير الملزم قانونا.

كما تساءلت من جانب آخر، عن مسألة التوافق مع قواعد القانون الدولي الجنائي، وضرورة إدراج جريمة الإبادة صراحة ضمن الجرائم الاستعمارية المجرمة، تفاديا لأي توصيف منقوص لجسامة الجرائم المرتكبة.

كما سجلت اللجنة غياب تعريف قانوني دقيق لمفهوم الاستعمار في نص يفترض أن يؤسس لتجريم واضح وغير قابل للتأويل، مبرزة أهمية الضبط الاصطلاحي في مثل هذه القوانين ذات الأهمية التاريخية والسيادية.

وطرحت تساؤلات حول مدى تكريس مبدأ عدم تقادم الجرائم الاستعمارية بنص صريح وموسع يشمل مختلف أشكال الضرر، بما فيها الأضرار البيئية والصحية والمعنوية، إضافة إلى مدى تحصين الصياغة الحالية من مخاطر التأويل القانوني أو التوظيف غير المقصود لبعض الأحكام.

كما رأت اللجنة ضرورة إدراج التزام قانوني صريح بصون الذاكرة الوطنية عبر إدماج الجرائم الاستعمارية في المنظومات التعليمية والتكوينية والإعلامية، باعتبار الذاكرة مكونا من مكونات الأمن الوطني، وتساءلت عما إذا كان النص يوفر أساسا قانونيا كافيا لتمكين الدولة من تحريك آليات المساءلة، وعن سبب عدم نصه على استحداث هيئة وطنية دائمة للذاكرة تتولى التوثيق والمتابعة.

ونقل تقرير اللجنة عن ممثل الحكومة وزير المجاهدين عبد المالك تاشريفت، أن الملاحظات المطروحة تمثل إثراء تشريعيا مسؤولا يهدف إلى تعزيز جودة النص وتحسين صيغته القانونية. وأوضح الوزير أن محاولات تجريم الاستعمار شهدتها العهود التشريعية السابقة، غير أن الظروف لم تكن مواتية للتجسيد القانوني، إلى أن توفرت الإرادة السياسية التي سمحت بإعداد هذا النص، الذي يؤسس لمقاربة تجمع بين الاعتراف التاريخي والإنصاف المعنوي. وأكد أن النص جاء وفق مقاربة قانونية عامة ومفتوحة، باعتباره جزءا من منظومة تشريعية قابلة للتطوير، وليس نصا تفصيليا للذاكرة، معتبرا أن الذاكرة الوطنية تتجسد أساسا عبر وعي المجتمع ومؤسساته.

وكان مقترح القانون الأصلي الذي صوّت عليه المجلس الشعبي الوطني في الجزائر يوم 24 ديسمبر الماضي، يتضمن مطالب الاعتراف والاعتذار والتعويض عن الجرائم الاستعمارية التي اقترفت في حق الجزائريين على مدار 132 سنة من الاستعمار والتي استمرت بعض آثارها إلى ما بعد الاستقلال.

وفي ظل وجود نية لتعديل النص، ينتظر أن يتم تفعيل آلية “اللجنة المتساوية الأعضاء” بين غرفتي البرلمان الجزائر، للتوافق على الصياغة الجديدة المواد محل التحفظ.

 يذكر أن النص في فحواه، يقدم توصيفا قانونيا صريحا للاستعمار الفرنسي باعتباره “جريمة دولة”، وهو توصيف يحمل أبعادا قانونية وسياسية، لأنه يربط الانتهاكات بمسؤولية كيان سيادي، لا بأفعال معزولة. كما يلزم الدولة الجزائرية بالعمل على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار ونشرها، في تأكيد على مركزية الذاكرة والتوثيق في مقاربة هذا الملف.

ويسرد الفصل الخاص من المقترح قائمة واسعة من الأفعال التي تُصنّف كجرائم، بدءا من القتل العمد والهجمات العسكرية ضد المدنيين، وصولا إلى الاستخدام المفرط للقوة والأسلحة المحرمة دوليا، بما فيها زرع الألغام والتجارب النووية. وقد تم إدراج التفجيرات النووية ضمن الجرائم، مع ما تحمله من أبعاد إنسانية وبيئية طويلة الأمد، وهو ما ينسجم مع الإشارة لاحقا إلى ضرورة تنظيف المواقع الملوثة وتعويض الضحايا.

ويمتد النص إلى الجرائم الاقتصادية والاجتماعية، مثل السطو على خزينة الدولة، والنهب الممنهج للثروات، ومصادرة الممتلكات، وفرض القوانين الاستثنائية على الجزائريين دون غيرهم. كما يسجل وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من تعذيب جسدي ونفسي، وتمييز عنصري، وحرمان متعمد من الحقوق الأساسية، والنفي والترحيل القسري، والاختطاف والإخفاء القسري، والاحتجاز خارج الأطر القانونية.

كما يتطرق إلى الانتهاكات الثقافية والدينية، من خلال تجريم تدنيس دور العبادة، والتنصير القسري، ومحاولات طمس الهوية الوطنية، إضافة إلى الاعتداء على حرمة الموتى والتنكيل برفاتهم، وهو ما يعكس شمولية المقاربة التي لا تحصر الجريمة في بعدها المادي فقط. وتُضاف إلى ذلك ممارسات مثل التجنيد الإجباري، وإنشاء محاكم خاصة دون ضمانات، واستخدام المدنيين كدروع بشرية.

ويؤكد المقترح على مبدأ عدم التقادم للجرائم الاستعمارية، حيث تنص مواده صراحة على أن بقاء متابعة الجرائم بغض النظر عن صفة مرتكبيها أو أدوارهم، سواء كانوا فاعلين أصليين أو شركاء أو محرضين أو منفذين لأوامر صادرة عن سلطات استعمارية. كما يجرم القانون المنتظر كل صور التعاون مع السلطات الاستعمارية، واعتبارها خيانة عظمى، في سياق يربط بين الذاكرة الوطنية والمساءلة القانونية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات