أخبار عاجلة

مسودة تحالفات دفاعية ثلاثية على الطاولة تعيد رسم مشهد القوة الإقليمي

في زمن يتراجع فيه اليقين وتتشقق فيه التحالفات الكلاسيكية، تتحرك الرياض وأنقرة وإسلام آباد على إيقاع مختلف، واضعة الأمن المشترك في صدارة الحسابات.

مسودة اتفاق دفاعي، صيغت بعد عام من التفاوض الهادئ، تخرج إلى الضوء كإشارة على تحوّل أعمق في بنية العلاقات الإقليمية، تحوّل لا يعلن القطيعة مع الماضي، لكنه يكتب فصلًا جديدًا في إدارة القوة والمصالح.

عام من التفاوض.. ومسودة تنتظر القرار السياسي

أعلن وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حياة حراج الانتهاء من إعداد مسودة اتفاق دفاعي ثلاثي بين باكستان والسعودية وتركيا، بعد مفاوضات استمرت قرابة عام، مؤكدًا أن الدول الثلاث دخلت مرحلة المداولات الداخلية تمهيدًا لاتخاذ القرار النهائي.

وأوضح أن هذا المسار منفصل عن الاتفاق الدفاعي الثنائي الذي جرى الإعلان عنه سابقًا بين الرياض وإسلام آباد، في تأكيد على أن الإطار الجديد يحمل طبيعة مختلفة من حيث البنية والهدف.

وقدّم حراج المسودة بوصفها ثمرة نقاشات تقنية وسياسية مطوّلة، شاركت فيها مؤسسات عسكرية وأمنية، بهدف بلورة صيغة تعاون تأخذ في الاعتبار خصوصية كل دولة، وقدراتها، وموقعها في معادلة الأمن الإقليمي.

وأشار إلى أن إتمام الاتفاق يتطلب توافقًا سياسيًا شاملًا بين الأطراف الثلاثة، ما يعكس حساسية المرحلة ودقة التوازنات المحيطة بها.

ويرى مراقبون أن مجرد الإعلان عن وجود مسودة جاهزة، حتى دون توقيع، يحمل دلالة سياسية بحدّ ذاته، إذ يكشف عن مستوى متقدّم من التنسيق، ويضع فكرة التحالف الدفاعي في المجال العام، بعد أن ظلت طويلًا حبيسة القنوات المغلقة.

أنقرة بين الحوار وبناء الثقة الإقليمية

أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده تُجري محادثات مع السعودية وباكستان بشأن احتمال إبرام اتفاقية دفاعية، مشيرًا إلى أن النقاشات ما زالت قائمة، وأن أي اتفاق لم يدخل بعد حيّز التوقيع.

وربط فيدان هذا المسار بالحاجة إلى تعزيز التعاون والثقة على المستوى الإقليمي، معتبرًا أن معالجة القضايا المعقدة تتطلب بيئة قائمة على الاطمئنان المتبادل.

وأفادت مصادر تركية في الدوائر الأمنية والدبلوماسية أن أنقرة تدرس الانضمام إلى هذا الإطار الثلاثي، وأن الملف أُدرج على جدول أعمالها ويخضع لتقييم شامل.

وأوضحت المصادر أن القدرات العسكرية والخبرات التقنية والموارد الاستراتيجية التي تمتلكها الدول الثلاث، في حال جرى تنسيقها، يمكن أن تُنتج هيكلًا دفاعيًا قويًا، قادرًا على الاستجابة لتحديات متعددة المستويات.

وفي هذا السياق، قال علي الحارثي، المحلل السياسي والكاتب السعودي لـ”القدس العربي”، إن “التحرك الثلاثي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأمن الإقليمي لم يعد قابلًا للإدارة عبر تحالفات تقليدية جامدة”.

وأضاف أن “السعودية وتركيا وباكستان تمتلك كل منها دوافع مختلفة، لكنها تلتقي عند نقطة أساسية تتمثل في البحث عن شراكات عملية، لا تُقاس بالشعارات بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار”. واعتبر الحارثي أن هذا المسار “يمثّل انتقالًا من منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة، في منطقة أنهكتها الأزمات”.

عالم يعيد تعريف التحالفات

تضع الدول الثلاث هذه الخطوة في سياق دولي أوسع يتسم بتغير موازين القوة، وتراجع وضوح خطوط الاصطفاف.

وتشير المصادر التركية إلى قناعة متنامية بأن مفاهيم التحالفات القائمة على ثنائية الغرب والشرق فقدت قدرتها على تفسير الواقع الجديد، ما يفتح الباب أمام صيغ تعاون مرنة، تتأسس على المصالح المتقاطعة.

وفي تصريحه لـ”القدس العربي”، ، قال الدكتور جورج فاضل، الكاتب والمحلل اللبناني في وكالة الأنباء الفرنسية، إن “المسودة الدفاعية الثلاثية تأتي في لحظة عالمية دقيقة، حيث تبحث القوى الإقليمية عن أدوات توازن ذاتية، في ظل انشغال القوى الكبرى بأزماتها الداخلية والدولية”.

وأضاف أن “ما يميّز هذا المسار أنه لا يقوم على خطاب صدامي، بل على مقاربة هادئة، تسعى إلى بناء شبكة أمان إقليمي دون استفزاز مباشر لأي طرف”.

وأوضح فاضل أن “تركيا تسعى من خلال هذا الإطار إلى توسيع هامشها الاستراتيجي، بينما ترى السعودية فيه امتدادًا لسياسة تنويع الشراكات الأمنية، في حين تنظر باكستان إلى الاتفاق كفرصة لتعزيز دورها خارج محيطها التقليدي”.

واعتبر أن نجاح هذه الصيغة “سيعتمد على قدرتها على البقاء إطارًا تعاونيًا، لا أن تتحول إلى تحالف مغلق”.

وتعكس هذه القراءة تقاطعًا بين التحليل السياسي والواقع الشعبي، حيث تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراعات، وتراجع فعالية الأطر الدولية في احتوائها.

وفي هذا المناخ، يبدو أي حديث عن تعاون دفاعي إقليمي محاولة لإعادة تعريف الأمن، بوصفه مسؤولية مشتركة، لا عبئًا منفردًا.

في المحصلة، تظل المسودة الدفاعية بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد خطوة مفتوحة على احتمالات متعددة. وبينما تستمر المداولات بعيدًا عن الأضواء، يتقدّم هذا المسار كعلامة على زمن جديد، تُصاغ فيه التحالفات بلغة أكثر هدوءًا، لكنها أشد تأثيراً.

في عالم يتغير بسرعة، تتحرك الاتفاقات ببطء محسوب، تاركة أثرها العميق لاحقًا.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات