عاد الجمود السياسي الليبي إلى واجهة الاهتمام الدولي، مع تلويح أممي متجدد بإمكانية الانتقال إلى «آلية بديلة» في حال استمرار فشل الأجسام السياسية في التوصل إلى توافق يقود إلى الانتخابات، بالتوازي مع تحريك مسارات «الحوار المُهيكل» الأمني والاقتصادي والحوكمة، في محاولة لإبقاء العملية السياسية قائمة وسط تصاعد الخلافات بين المؤسسات التشريعية، وتفاقم الضغوط الاقتصادية والمعيشية على المواطنين، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل المرحلة الانتقالية.
حيث أكدت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه عزمها اقتراح آلية بديلة في إحاطتها المقبلة أمام مجلس الأمن، في حال استمرار حالة الجمود السياسي الراهن، وذلك خلال لقاء جمعها في العاصمة طرابلس مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا. وبحسب ما أُعلن، شدد الجانبان على ضرورة تجديد المشاركة الفعالة والعاجلة من جميع الأطراف الليبية المعنية، بما يضمن دفع العملية الانتخابية قدمًا، والحفاظ على وحدة المؤسسات، ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من الانقسام والتعقيد.
وأوضح السفير الأوروبي أن اللقاء تناول التقدم المحرز في خارطة الطريق السياسية، مشيرًا إلى أنه نقل للمبعوثة الأممية خلاصات مشاورات موسعة أُجريت خلال الفترة الماضية مع أطراف ليبية ومكونات مجتمعية في مناطق مختلفة من البلاد. وتركزت هذه الرسائل، وفق التصريحات، على القلق المتزايد من غياب أي تقدم فعلي نحو الانتخابات، في مقابل تصاعد الأزمات الاقتصادية والمالية التي باتت تضغط بشكل مباشر على حياة المواطنين، وتنعكس في تراجع القدرة الشرائية، واضطراب الخدمات، واستمرار حالة عدم الاستقرار.
وكانت المبعوثة الأممية قد جددت، في إحاطتها أمام مجلس الأمن بتاريخ 19 كانون الأول/ ديسمبر 2025، التذكير بإمكانية طرح «آلية بديلة» في حال إخفاق مجلسي النواب والدولة في التوصل إلى توافق حول استحقاقات خريطة الطريق السياسية. واعتُبرت هذه الإشارة بمثابة رسالة ضغط واضحة على الأجسام السياسية، في ظل تعثر مستمر للمسار السياسي، وعجز متكرر عن حسم الملفات الخلافية المرتبطة بالإطار الدستوري والقانوني للانتخابات.
وتتزامن هذه التلويحات الأممية مع خلافات متصاعدة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، كان آخرها الجدل بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهو خلاف أعاد إلى الواجهة هشاشة التوافقات السابقة، وعمّق حالة الشك في قدرة المؤسسات القائمة على إدارة الاستحقاق الانتخابي دون تدخلات أو صراعات سياسية.
في موازاة ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا انتظام اجتماعات محوري الأمن والاقتصاد ضمن مسار «الحوار المُهيكل»، الأحد، في العاصمة طرابلس، من خلال اجتماعات حضورية متزامنة بتيسير من البعثة. وأوضحت، في بيان رسمي، أن هذه الاجتماعات ستتواصل على مدى أربعة أيام، على أن تُخصص لإعداد قائمة بالقضايا الرئيسة التي ستُطرح على طاولة الحوار المُهيكل، تمهيدًا لمناقشتها بشكل موسع خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب اقتراح حلول عملية وآليات تنفيذية لمعالجة الإشكاليات المطروحة.
وفي السياق ذاته، كانت البعثة قد أعلنت، الخميس الماضي، أن محور الحوكمة التابع للحوار المُهيكل حدّد خلال اجتماعه الرسمي الأول خمس قضايا رئيسة يسعى لمعالجتها ضمن المسار السياسي الليبي. وتشمل هذه القضايا التوصل إلى اتفاق سياسي يسبق الانتخابات، وتحديد طبيعة وولاية الحكومة التي ستشرف على العملية الانتخابية، وضمان نزاهة الانتخابات والدعم الدولي اللازم لها، إضافة إلى مناقشة النظام السياسي للبلاد، وشكل الحكومة المركزية والمحلية.
وأشارت البعثة إلى أن محور الحوكمة سيعمل خلال الأشهر القليلة المقبلة على تحليل هذه القضايا وصياغة مقترحات عملية قابلة للتنفيذ، في إطار عملية ليبية بقيادة ليبية وبدعم أممي، مع التنسيق مع المحاور الثلاثة الأخرى للحوار المُهيكل، وهي الأمن والاقتصاد والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، بهدف تحديد آليات دعم تنفيذ التوصيات المقترحة.
ويرى مراقبون أن إعادة تنشيط مسارات «الحوار المُهيكل» تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة للمسار الأممي، والتشكيك في قدرته على معالجة جوهر الأزمة الليبية. ويعتبر هؤلاء أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بعدد المسارات أو تنوعها، بل بغياب معالجة مباشرة لمسألتي الانقسام الحكومي وغياب قاعدة دستورية واضحة تفضي إلى انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية.
ويشير مراقبون إلى أن الطابع الاستشاري وغير الملزم لمخرجات الحوار المُهيكل يحد من تأثيره السياسي، ويثير مخاوف من تحوله إلى مسار طويل الأمد لا يفضي إلى نتائج ملموسة، خاصة في ظل تجارب سابقة لمسارات حوار لم تنجح في كسر حالة الانسداد. كما يحذرون من أن استغراق هذه المسارات وقتًا طويلًا قد يفتح المجال أمام تغيرات سياسية وأمنية واقتصادية تُفرغ مخرجاتها من مضمونها.
وفي هذا الإطار، يرى متابعون أن تلويح البعثة الأممية بآلية بديلة يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا لخطورة استمرار الوضع الراهن، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول طبيعة هذه الآلية وحدودها، وما إذا كانت ستبقى في إطار الضغط السياسي، أم ستتطور إلى خطوات أكثر حزمًا في حال استمرار فشل الأجسام السياسية في التوصل إلى تسوية شاملة. ويخلص هؤلاء إلى أن المشهد السياسي الليبي لا يزال يتسم بالهشاشة، وأن أي اختراق حقيقي سيظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية داخلية حقيقية، تضع مصلحة البلاد فوق حسابات البقاء في السلطة، وتستجيب لضغوط الواقع المعيشي المتدهور.
وسط استمرار الانسداد السياسي في ليبيا تلويح أممي بآلية بديلة

تعليقات الزوار
لا تعليقات