دافع رئيس الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري إبراهيم بوغالي عن قانون تجريم الاستعمار، معتبرا أنه سيؤسس لـ”مرجعية دولية” في هذا المجال، مؤكدا أن الذاكرة الجزائرية “مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسيادة الوطنية”.
وأوضح بوغالي، في حوار تلفزيوني أن هذا النص يمثل “فعلا سياديا كاملا، نظرا لأن الذاكرة الوطنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسيادة الوطنية”، مضيفا أنه جاء في إطار “التزام ثابت ونضال طويل يقوده النواب”، وهو ما يدعو إلى “الفخر بدور المجلس في حماية الذاكرة الوطنية”.
وبخصوص تأثيره على العلاقات الجزائرية-الفرنسية، استنكر بوغالي محاولة الاستعمار الفرنسي “اللعب على عامل الوقت، اعتقادا منه أن جيل الاستقلال سينسى جرائم الاحتلال”، لافتا إلى أن هذا الأمر “غير صحيح”.
وشدد في السياق ذاته على أن “الجزائر دولة مستقلة وذات سيادة، وما يفرضه الآخرون من ضغوط لن يمنعها من اتخاذ قراراتها”، موضحا أن “الهدف هو تحقيق العدالة والحقيقة التاريخية لتأسيس علاقات سليمة لمستقبل مشترك للأجيال القادمة”.
وأضاف بوغالي أن مسار هذا المقترح “تميز بتشكيل لجنة تضم كل التيارات السياسية لإضفاء طابع المطلب الشعبي ولغلق الطريق أمام من يريد المتاجرة بالقضية”.
ولتفادي ما وصفها بـ” المزايدات”، قال رئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري إنه تم “العمل بهدوء وبعيدا عن التصريحات الصحفية إلى غاية اكتمال المشروع، الذي تمت مراجعة صيغته النهائية مع خبراء قانونيين ثم التصويت عليه في 24 كانون الأول/ديسمبر الماضي”.
ويرى بوغالي أنه في إطار التزام الجزائر تجاه الدول التي عانت الاستعمار، فإن نص القانون “سيترجم للإنكليزية والألمانية والإسبانية ليكون مرجعا للدول الإفريقية والآسيوية والأمريكية التي عانت من الاستعمار”، مبرزا أن القانون “يمثل أساسا سياسيا وأخلاقيا قويا ويمكن أن يكون مرجعا دوليا مع احترام القانون الدولي”.
وبخصوص محتوى النص، ذكر رئيس المجلس بمطالبة مستعمر الأمس بضرورة “تنظيف المواقع التي كانت مسرحا للتفجيرات النووية وتسليم خرائط الألغام الفرنسية التي لم نتسلمها بعد”.
ويأتي حديث بوغالي بعد أيام من تصريح السفير الفرنسي في الجزائر الموجود في بلاده، ستيفان روماتي، والذي انتقد فيه مشروع القانون الذي صادق عليه البرلمان الجزائري لتجريم الاستعمار الفرنسي، معتبرا أن توقيت هذا التصويت جاء ليعقّد هذا المسار، خاصة أن السلطات الفرنسية حسبه اعتبرت المشروع “شكلا من أشكال العداء تجاه فرنسا”. وأشار السفير إلى أن الجمع بين استمرار احتجاز غليز ومشروع قانون تجريم الاستعمار يمثل “عقبتين مزدوجتين” تجعل إرادة استعادة طريق التهدئة مع الجزائر أكثر صعوبة.
وتتقاطع في فرنسا نظرتان لهذا المشروع، الأولى ترى فيه حقا مشروعا للجزائريين والثانية تتضمن مقاربة أيديولوجية رافضة يقودها اليمين. وكانت قراءات في صحف فرنسية يمينية قد ذهبت إلى ربط المصادقة على قانون تجريم الاستعمار بما وصفته بصراع نفوذ جيوسياسي بين فرنسا وتركيا، مع الزعم بأن الإسلاميين كانوا وراء المشروع على الرغم من أنه يحظى بالإجماع السياسي في الجزائر.
في المقابل، برزت داخل فرنسا أصوات محسوبة على اليسار تتبنى مقاربة مختلفة إزاء هذا المشروع، من بينها البرلمانية صبايحي ذات الأصول الجزائرية، التي لم تخف في تصريحات أخيرة تأييدها المبدئي لمشروع قانون تجريم الاستعمار في الجزائر، معتبرة أنه يشكل مدخلا سياسيا وأخلاقيا لإعادة ضبط العلاقة الجزائرية الفرنسية على أساس الحقيقة التاريخية، بعيدا عن القراءات الانتقامية التي يسعى اليمين واليمين المتطرف في فرنسا، بحسب تعبيرها، إلى فرضها على الماضي. كما تحدث في الإطار نفسه المؤرخ المعروف بنجامين ستورا بإيجابية حول هذه المبادرة التشريعية.
وأحيل مقترح القانون بعد التصويت عليه إلى مجلس الأمة وهو الغرفة الثانية للبرلمان للنظر فيه. ويقدم النص في فحواه، توصيفا قانونيا صريحا للاستعمار الفرنسي باعتباره “جريمة دولة”، وهو توصيف يحمل أبعادا قانونية وسياسية، لأنه يربط الانتهاكات بمسؤولية كيان سيادي، لا بأفعال معزولة. كما يلزم الدولة الجزائرية بالعمل على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار ونشرها، في تأكيد على مركزية الذاكرة والتوثيق في مقاربة هذا الملف.
ويسرد الفصل الخاص من المقترح قائمة واسعة من الأفعال التي تُصنّف كجرائم، بدءا من القتل العمد والهجمات العسكرية ضد المدنيين، وصولا إلى الاستخدام المفرط للقوة والأسلحة المحرمة دوليا، بما فيها زرع الألغام والتجارب النووية. وقد تم إدراج التفجيرات النووية ضمن الجرائم، مع ما تحمله من أبعاد إنسانية وبيئية طويلة الأمد، وهو ما ينسجم مع الإشارة لاحقا إلى ضرورة تنظيف المواقع الملوثة وتعويض الضحايا.
ويمتد النص إلى الجرائم الاقتصادية والاجتماعية، مثل السطو على خزينة الدولة، والنهب الممنهج للثروات، ومصادرة الممتلكات، وفرض القوانين الاستثنائية على الجزائريين دون غيرهم. كما يسجل وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من تعذيب جسدي ونفسي، وتمييز عنصري، وحرمان متعمد من الحقوق الأساسية، والنفي والترحيل القسري، والاختطاف والإخفاء القسري، والاحتجاز خارج الأطر القانونية.
كما يتطرق إلى الانتهاكات الثقافية والدينية، من خلال تجريم تدنيس دور العبادة، والتنصير القسري، ومحاولات طمس الهوية الوطنية، إضافة إلى الاعتداء على حرمة الموتى والتنكيل برفاتهم، وهو ما يعكس شمولية المقاربة التي لا تحصر الجريمة في بعدها المادي فقط. وتُضاف إلى ذلك ممارسات مثل التجنيد الإجباري، وإنشاء محاكم خاصة دون ضمانات، واستخدام المدنيين كدروع بشرية.
ويؤكد المقترح على مبدأ عدم التقادم للجرائم الاستعمارية، حيث تنص مواده صراحة على أن بقاء متابعة الجرائم بغض النظر عن صفة مرتكبيها أو أدوارهم، سواء كانوا فاعلين أصليين، أو شركاء، أو محرضين أو منفذين لأوامر صادرة عن سلطات استعمارية. كما يجرم القانون المنتظر كل صور التعاون مع السلطات الاستعمارية، واعتبارها خيانة عظمى، في سياق يربط بين الذاكرة الوطنية والمساءلة القانونية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات