أخبار عاجلة

العلاقات الجزائرية الفرنسية تتدحرج بين التوتر الانتعاش

تفتح زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرتقبة للجزائر الخميس المقبل، صفحة جديدة في سجل العلاقات بين البلدين، بعد طي توترات تصاعدت حدّتها منذ خريف 2021 لتعود لهدوء ملحوظ في شتاء العام نفسه.

وتشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية مستويات متذبذبة بين التوتر والتهدئة بسبب طبيعة العلاقات المتشابكة خاصة ما تعلق بملفات الذاكرة والأرشيف الجزائري والتجارب النووية.

ويفرض الوضع الدولي المتقلب وتغيّر التحالفات وتشابك المصالح على البلدين، إعادة ترتيب علاقاتهما بعد تجاوز ارتدادات الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا وإعادة انتخاب ماكرون.

 بداية التصعيد

تفجرت الأزمة بين البلدين في سبتمبر 2021، إثر تقليص باريس حصة تأشيرات السفر الممنوحة للجزائريين، بذريعة عدم تعاون الجزائر في إعادة مهاجريها غير النظاميين.

وفي خطوة تصعيدية ثانية، شكك ماكرون، في أكتوبر 2021، في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي (1830-1962)، كما اتهم النظام الجزائري باستغلال ملف الذاكرة لأغراض سياسية.

وردت الجزائر باستدعاء سفيرها لدى باريس محمد عنتر داود للتشاور، كما توالت قرارات إنهاء التعامل باللغة الفرنسية في عدة قطاعات حكومية.
وبمناسبة ذكرى الاستقلال نشر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مقالا في مجلة “الجيش” (رسمية)، جدد فيه تمسك بلاده بمواقفها إزاء مسؤولية فرنسا عن جرائم الحقبة الاستعمارية.

وكتب أن هذه المسألة التي هي “من صميم انشغالات الدولة، تبقى أبعد ما تكون عن العمل المرتجل أو التي تمليها ظروف معينة”، معتبرا أنها “واجب وطني مقدس”.

وبلغ التوتر مداه حين منعت الجزائر، في 3 أكتوبر2021، الطائرات العسكرية الفرنسية من عبور أجوائها نحو مالي، وتقليص شحنات القمح المستوردة منها.

ملفات شائكة

منذ سنوات، يتفاوض البلدان بشأن 4 ملفات تاريخية عالقة، أولها الأرشيف الجزائري الذي ترفض السلطات الفرنسية تسليمه، بينما يتعلق الملف الثاني باسترجاع جماجم قادة الثورات الشعبية (موجودة بمتحف الإنسان بالعاصمة باريس).

ويتعلق الملف الثالث بتعويض ضحايا التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، والرابع يخص استجلاء مصير المفقودين خلال ثورة التحرير (1954-1962) وعددهم ألفان و200 مفقود، حسب السلطات الجزائرية.

ولم تتجاوب فرنسا مع أي من المطالب الجزائرية، ما عدا تسليم أول دفعة من جماجم ورفات رموز المقاومة الشعبية ضد الاستعمار عام 2020.

وزار ماكرون الجزائر مرة واحدة في بداية ولايته الرئاسية الأولى في ديسمبر 2017، بعد أشهر من زيارة لها بوصفه مرشحا للرئاسة أطلق خلالها تصريحات وصفت بالقوية، قال فيها إن “الاستعمار ارتكب جرائم ضد الإنسانية”.

جبل الجليد

اجتهد وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان في تهدئة الأزمة الناشبة بين البلدين، عندما توجه إلى الجزائر في 29 ديسمبر 2021، للقاء الرئيس تبون، في زيارة لم يعلن عنها مسبقا، أعرب خلالها عن رغبة باريس في “إذابة الجليد وسوء التفاهم” الحاصل مع الجزائر.

وسمحت هذه الزيارة بعودة السفير الجزائري إلى باريس، في 5 يناير  2022، بعد ثلاثة أشهر من استدعائه، ما شكل أول خطوة من الجزائر للقبول بالتهدئة التي سعت إليها باريس.

وفي 29 يناير جرى أول اتصال هاتفي بين ماكرون وتبون، بعد أشهر من الأزمة، استغل فيه الرئيس الفرنسي ترؤسه لمجلس الاتحاد الأوروبي، لتجديد دعوة نظيره الجزائري بحضور “القمة الإفريقية الأوروبية” ببروكسل، وبحثا آفاق انعقاد “اللجنة العليا المشتركة”.

لم يحضر الرئيس تبون، القمة الإفريقية الأوروبية، لكن مبادرة ماكرون بالاتصال به أذابت بعض الجليد بين الرجلين، بدليل أنه عقب شهر من تلك المكالمة سمحت الجزائر للطائرات العسكرية الفرنسية بعبور أجوائها نحو مالي مجددا بعد إغلاق للأجواء الجزائرية في وجهها لأكثر من 4 أشهر.

وهكذا، فرض الوضع الدولي المتقلب وتغيّر التحالفات وتشابك المصالح على كل من الجزائر وباريس، إعادة ترتيب علاقاتهما بعدما تم تجاوز ارتدادات الحملة الانتخابية الرئاسية في فرنسا.

نحو الحل

زار وزير الخارجية الفرنسي الجزائر للمرة الثانية، بعد 4 أيام من انتخابات الجولة الأولى للرئاسيات الفرنسية التي فاز فيها ماكرون لاحقا، وهي زيارة يشير المراقبون فيها لأهمية الكتلة التصويتية للجالية الجزائرية في فرنسا حيث تعادل نحو 1.2 مليون ناخب.

وعلى إثر الزيارة، دعا عميد مسجد باريس الكبير “دليل بوبكر” المسلمين للتصويت لصالح ماكرون ضد مارين لوبان في انتخابات الرئاسة الفرنسية، بحسبان أن برنامج الأخيرة الذي يضيق على المهاجرين والمسلمين، لا يخدم مصالح الجزائر التي تملك جالية كبيرة تقدر بنحو 4 ملايين.

ويحظى مسجد باريس الكبير بتمويل الجزائر، التي لها حق الاعتراض في تعيين عميده، الذي عادة ما يكون من أصول جزائرية.

وتؤرخ نهاية الأزمة الأخيرة بين البلدين، بتهنئة الرئيس تبون نظيره ماكرون في 25 أبريل الماضي، بإعادة انتخابه رئيسا لفرنسا لولاية ثانية، ودعاه إلى زيارة الجزائر من أجل “بعث العلاقات”.

وخاطب تبون نظيره الفرنسي في رسالة نشرت نصها الرئاسة الجزائرية بـ “فخامة الرئيس” و”صديقي العزيز”.

وقال: “يسعدني بمناسبة تجديد انتخابكم الباهر رئيسا للجمهورية الفرنسية، أن أتوجه إليكم باسم الجزائر شعبا وحكومة وأصالة عن نفسي، بأحر التهاني وبخالص تمنياتي لكم بالنجاح في مواصلة مهامكم السامية”.

صفحة جديدة

بدأ البلدان فتح صفحة جديدة من العلاقات عشية الدورة الثانية للانتخابات البرلمانية الفرنسية التي فاز فيها ماكرون، حيث أجرى الرئيس تبون في 18 يونيو الماضي، اتصالا هاتفيا مع ماكرون، أعربا فيها عن رغبتهما في “تعميق” العلاقات بين البلدين.

ومواصلة في الطريق الجديد، قام ماكرون في 5 يوليو الماضي، بتهنئة تبون بمناسبة مرور 60 عاما على استقلال الجزائر عن فرنسا.

وأوضحت الرئاسة الفرنسية، في بيان، أن “الذكرى الستين لاستقلال الجزائر تشكل فرصة لرئيس الجمهورية لكي يرسل إلى الرئيس تبون رسالة يعبر فيها عن تمنياته للشعب الجزائري ويبدي أمله بمواصلة تعزيز العلاقات القوية أصلا بين فرنسا والجزائر”.

ونقل البيان عن ماكرون تأكيده مجددا في رسالة بعثها إلى تبون: “التزامه بمواصلة عملية الاعتراف بالحقيقة والمصالحة لذاكرتي الشعبين الجزائري والفرنسي”.

وفي 14 يوليو الماضي، صرح صالح قوجيل، رئيس مجلس الأمة الجزائري (الرجل الثاني في الدولة بعد الرئيس)، أنه يجب “دائما التفريق بين الاستعمار الفرنسي والشعب الفرنسي”.

وفي 10 أغسطس الجاري، وافقت باريس على ترشيح الجزائر سعيد موسى سفيرا جديدا لها في فرنسا خلفا لعنتر داود، ويعتبر منصب سفير الجزائر بفرنسا أهم منصب دبلوماسي بالنسبة للعاملين في الخارجية الجزائرية.

الزيارة المرتقبة

وفي السياق المتطور لعلاقات البلدين، قدّم ماكرون في 20 أغسطس الجاري تعازيه لتبون في ضحايا حرائق غابات الجزائر خلال اتصال هاتفي.
وبعد الاتصال صدر بيان من الرئاسة الفرنسية أعلنت فيه زيارة ماكرون للجزائر من 25 حتى 27 أغسطس الجاري، بأجندة معلنة تركز على “تعميق العلاقات وتعزيز التعاون ومواصلة العمل على ذاكرة فترة الاستعمار”.

وتعد هذه الزيارة الثانية التي يجريها ماكرون للجزائر خلال 5 سنوات.

ومقارنة بزيارته الأولى في ديسمبر 2017 التي كانت مدتها نحو 12 ساعة، يقضي ماكرون هذه المرة نحو 48 ساعة يزور فيها العاصمة الجزائر ومدينة وهران (شمال غرب).

اضف تعليق

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات