أخبار عاجلة

الجزائر تتحرك لإعادة الارتباط بين منفيي كاليدونيا والوطن الأم

نجح مؤثر جزائري في إعادة الاهتمام بجرح قديم موغل في الذاكرة الجزائرية، يتعلق بمنفيي كاليدونيا الجديدة الذين هجّرهم الاستعمار الفرنسي بين القرنين التاسع عشر والعشرين عقابا لهم على المشاركة في المقاومة الشعبية؛ في وقت أكدت السلطات حرصها على ربط أحفاد جزائريي كاليدونيا بوطنهم الأم وتقديم كافة التسهيلات لهم، بعد سؤال برلماني في هذا الاتجاه.

وعلى الرغم من أن قصة منفيي كاليدونيا معروفة في الجزائر وحظيت بعدة تغطيات إعلامية، إلا أن ما فعله المؤثر الجزائري المتخصص في الرحلات مهدي شطاح كان له وقع خاص على الشباب الذين يتابعونه بغزارة على مواقع التواصل، بعد أن اكتشفوا أن لهم رابطة دم في أقصى الأرض، وتحديدا في كاليدونيا الجديدة.

وخلال زيارته إلى هناك، وثّق شطاح بأسلوبه الشعبي الذي يمزج بين التثقيف والفرجة، لقاءاته مع أحفاد الجزائريين الذين نُفوا خلال الحقبة الاستعمارية، حيث ظهر وهو يتحدث معهم عن أصولهم ويستمع إلى رواياتهم المرتبطة بالأجداد الذين اقتُلعوا من الجزائر ونُقلوا إلى تلك الجزر البعيدة.

وفي أحد أبرز المقاطع، قدّم المؤثر الجزائري هدايا رمزية لأحفاد المنفيين، تمثلت في أوراق نقدية جزائرية تحمل صور مفجري الثورة التحريرية الستة، قبل أن يشرع في تلقينهم أسماء هؤلاء القادة وتعريفهم بدورهم في اندلاع الثورة، في مشهد نقل تفاعلهم ودهشتهم وهم يرددون بعض الأسماء لأول مرة.

كما أظهرت المقاطع لحظات حديث مباشر بين شطاح وبعض العائلات، حيث طرح عليهم أسئلة حول معرفتهم بالجزائر، بينما عبّر بعضهم عن رغبتهم في زيارتها، في حين اكتفى آخرون بسرد ما بقي لديهم من معلومات متوارثة عن الأصول. وتداول رواد مواقع التواصل هذه المشاهد على نطاق واسع، خاصة تلك التي ظهر فيها أحفاد المنفيين وهم يتعرفون على رموز تاريخية جزائرية، في وقت بدت فيه القصة بالنسبة للكثيرين وكأنها تُروى لأول مرة من داخل المكان نفسه.

لكن قبل بروز محتوى المؤثر الجزائري مهدي شطاح حول منفيي كاليدونيا الجديدة، كانت القضية قد حظيت بأعمال توثيقية وسمعية بصرية رصينة أعادت طرحها في الفضاء العام، وهو ما ذكّر به المخرج الجزائري سعيد عولمي في تعليق أعقب الجدل الذي رافق انتشار تلك المقاطع.

وأوضح عولمي في تدوينة له على فيسبوك، أن الانطباع الذي رافق بعض التفاعلات، وكأن القصة تُكتشف لأول مرة، يتجاهل مسارا طويلا من العمل التوثيقي، مشيرا إلى أن عددا من أحفاد المنفيين سبق أن ظهروا في أعمال إعلامية جزائرية، وشاركوا في زيارات إلى الجزائر خلال سنوات سابقة.

وفي هذا السياق، أعاد المتحدث التذكير بسلسلة “شهود الذاكرة” التي عُرضت ما بين 2004 و2005 على قنوات التلفزيون الجزائري، والتي اعتبرها محطة بارزة في إعادة فتح هذا الملف، حيث تناولت من خلال ثمانية أفلام وثائقية شهادات أحفاد المنفيين، وربطت بين الماضي والحاضر في معالجة جمعت بين البعد الأكاديمي والإنساني. وقد لاقت السلسلة، حسبه، صدى واسعا لدى الجمهور، كما تحولت إلى مرجع يُستأنس به في بعض الجامعات، وتوجت بالميدالية الذهبية في مهرجان التلفزيونات العربية بالقاهرة.

كما أشار إلى فيلم “العودة”، الذي استغرق تصويره نحو تسع سنوات، ووثق زيارات متتالية لأحفاد المنفيين إلى الجزائر، في رحلة بحث عن الجذور واستعادة للذاكرة، إلى جانب فيلم “من النسيان إلى الاعتزاز” الذي يرصد تحولا في وعي هؤلاء الأحفاد، من حالة النسيان إلى استعادة الانتماء.

وتطرق عولمي إلى الزيارات التي قام بها عدد من أحفاد المنفيين إلى الجزائر، سواء بدعوات رسمية تكفلت بها الدولة أو بمبادرات شخصية، مذكّرا بتنظيم معرض في الجزائر العاصمة بالتنسيق مع وزارة المجاهدين بمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال، خصص لتاريخ النفي إلى كاليدونيا، واعتُبر من أبرز المحطات التوثيقية في هذا المسار.

كما كشف أن بعض هؤلاء الأحفاد تمكنوا من الحصول على جوازات سفر جزائرية، فيما ارتبط آخرون بعلاقات عائلية داخل الجزائر، بما يعكس استعادة تدريجية للصلة مع الوطن الأصلي بعد عقود من الانقطاع.

كما استعرض من بين الزيارات الحديثة، تلك التي قام بها الطيب عيفة الملقب بـ“الخليفة” رفقة ابنه باتريك، إضافة إلى الحفيد كريستوف ساند في أيار/مايو 2025، حيث شملت جولتهم عددا من المدن الجزائرية، في زيارة وصفت بالإنسانية والمعبرة عن استمرارية الروابط.

وفي خضم عرضه، أشار عولمي إلى أن العمل لا يزال متواصلا من خلال مشاريع وثائقية جديدة قيد الإنجاز، من بينها أفلام قيد التركيب، إلى جانب مشروع تحويل هذه الأعمال إلى كتب بيداغوجية، مؤكدا أن العلاقة مع أحفاد المنفيين تعود إلى سنة 2000 وما تزال مستمرة. كما شدد على دور الباحثين الأوائل في توثيق هذه القضية، مستحضرا جهود المرحوم الدكتور صديق الذي ساهم في حفظ تفاصيل هذا الملف في مؤلفات متخصصة.

ولم يتوقف الأمر عند تأثير القصة على مواقع التواصل، فقد دخل البرلمان على الخط بتوجيه سؤال من قبل النائب عبد الوهاب يعقوبي لوزير الخارجية أحمد عطاف حول ما تنتوي الحكومة الجزائرية فعله لربط أحفاد الجزائريين المنفيين قسرًا إلى كاليدونيا الجديدة، بوطنهم الأم.

وفي نص سؤاله، اعتبر النائب أن قضايا الذاكرة الوطنية لا يمكن إهمالها، مبرزًا أن تهجير الجزائريين إلى كاليدونيا الجديدة خلال الحقبة الاستعمارية يُعد من القضايا المؤلمة التي لم تنل، حسبه، ما يكفي من المعالجة الرسمية. وأشار إلى أن هذه العمليات ارتبطت خصوصًا بما أعقب انتفاضة المقراني والشيخ الحداد سنة 1871، حيث لجأت الإدارة الاستعمارية إلى محاكمات عسكرية أدت إلى نفي آلاف الجزائريين إلى ما كان يُعرف بـ“مستعمرة العقوبات”.

كما استعرض النائب معطيات تاريخية تفيد بنقل نحو 2106 جزائريين بين سنتي 1864 و1921، بينهم قادة مقاومة وشباب، في ظروف وصفها بالقاسية، مع الإشارة إلى تقديرات أخرى غير رسمية تتحدث عن أعداد أكبر. ولفت إلى أن أكثر من 15 ألفًا من أحفاد هؤلاء يعيشون اليوم في كاليدونيا الجديدة، دون تمثيل قنصلي قريب، ودون برامج كافية، بحسب طرحه، لتعزيز إدماجهم في الذاكرة الوطنية.

وفي رده، أكد وزير الخارجية أن الدولة الجزائرية تولي “عناية بالغة” لملف الذاكرة الوطنية بمختلف أبعاده، مشيرًا إلى أن أحفاد الجزائريين المهجرين قسرًا، ومن بينهم المقيمون في كاليدونيا الجديدة، يحظون باهتمام خاص لما يحمله هذا الملف من أبعاد تاريخية وإنسانية.

وأوضح أن السلطات تعتمد مقاربة شاملة تجمع بين الأبعاد التاريخية والإنسانية والمؤسساتية، بهدف صون الذاكرة الجماعية وتعزيز ارتباط أبناء الجالية بوطنهم الأم، خاصة لدى الأجيال الناشئة.

وفي هذا السياق، ذكّر الوزير بتدشين الرئيس عبد المجيد تبون جدارية تذكارية بالواجهة البحرية للجزائر العاصمة يوم 5 جويلية 2021، تخليدًا لذكرى المنفيين الجزائريين إلى كاليدونيا الجديدة ومختلف بقاع العالم.

كما أشار إلى جملة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز الروابط مع أحفاد المنفيين، من بينها إشراكهم في الأنشطة المرتبطة بالذاكرة الوطنية، واستقبال وفود منهم خلال المناسبات الرسمية، حيث شارك وفد من جمعية أحفاد الجزائريين بكاليدونيا الجديدة في إحياء الذكرى الثمانين لليوم الوطني للذاكرة في 8 مايو من السنة الماضية. وأضاف أن ممثلين عنهم يُدعون أيضًا للمشاركة في فعاليات كبرى تحتضنها الجزائر، على غرار معرض التجارة البينية الإفريقية المنعقد في أيلول/سبتمبر 2025.

وبخصوص الجانب القنصلي، أوضح الوزير أنه تم اتخاذ تسهيلات لفائدة هذه الجالية، من خلال تمكينهم من الاستفادة من الخدمات القنصلية عبر سفارة الجزائر في أستراليا، بدل التنقل إلى القنصلية العامة في باريس، باعتبارها مركز تسجيلهم القنصلي. كما أشار إلى أن عملية عصرنة الخدمات القنصلية في إطار التحول الرقمي ستتيح لأبناء الجالية، ومنهم المقيمون في كاليدونيا الجديدة، الاستفادة من مختلف الخدمات عن بُعد، بما يسهم في تحسين التكفل بانشغالاتهم.

 

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات