أخبار عاجلة

نافذة الدبلوماسية تضيق أمام إيران وسط نفير حرب حتمية

يقول جنرالٌ عسكريٌ استخباري إن إيران هي في مرحلة دفاع، ولن تخاطر تالياً بضربة استباقية، لأنها ستكشف بذلك منظومة صواريخها قبل أن تبدأ الضربة الأمريكية المنتظرة ضدها. وإذا فعلتْ، ستفتح الباب لردٍ تدميري قد لا ينفد منه النظام، فالقوات الأمريكية في هذه الحال لديها مسبقاً التعليمات وخطط الدفاع عن نفسها إذا تعرَّضت لهجوم من الخصم الذي تَعرف قوته وحجمه. المسألة هنا تصبح تلقائياً شأناً عسكرياً مرتبطاً بالخطط المعدَّة والمدرَّب عليها، لا قراراً سياسياً.
في العلم العسكري، هناك مؤشرات عدة تسبق الحرب، وتبدو مُحقّقة بكليتها في التوتر الأمريكي – الإسرائيلي – الإيراني: استعدادات عسكرية على الجبهة من حاملات طائرات وطائرات متقدمة ومنظومات دفاعية ولوجستيات؛ نقل للأسلحة والذخائر الهجومية بشكل كبير إلى بقعة المواجهة بوتيرة مرتفعة وبكلفة المليارات؛ حصول مناورات بحرية وفي القواعد الأمريكية؛ تحضير الأرض لتجنب قتال بزاوية 360 درجة والتركيز على اتجاه واحد، وهو أمر حاكته موجة الغضب الشعبي ضد نظام علي خامنئي في غالبية المحافظات، والتي قمعها مرحلياً؛ زيارات مدنية – عسكرية ومباحثات دبلوماسية عالية المستوى بين الدول الكبرى لمناقشة تداعيات الحرب المحتملة. وكانت لافتة إشارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن «الولايات المتحدة على استعداد لتوفير النفط للصين وروسيا بحسب حاجتهما».
كيف يقرأ الجنرال العسكري المشهد؟ يؤكد أن مؤشرات الحرب حتمية. ولكن قرار الحرب يحتاج إلى استكمال الجهوزية التي على القادة العسكريين إبلاغها للرئيس، والذي عليه أن يُمارس «الخداع السياسي» إذا لم تكن تلك الاستعدادات قد أُنجزت. وأول مَن أبلغ ترامب جهوزية جيشه هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حين التقاه في 12 شباط/فبراير في «البيت الأبيض». وسيُصبح المسرح جاهزاً عندما يتبلّغ من كبار مسؤولي الأمن القومي بأن الجيش الأمريكي مستعد لشنّ الحرب. تتحدث التسريبات الصحافية عن أنه تمَّ إبلاغ ترامب قبل أيام بالجهوزية الأمريكية لشن ضربات محتملة في نهاية هذا الأسبوع.
الفرصة الأخيرة قبل الطوفان
من هنا، تبدو إيران أمام الفرصة الأخيرة، تماماً كما تبدو المفاوضات الإيرانية – الأمريكية في شوطها الأخير. فتح ترامب نافذة ضيِّقة للتوصل إلى اتفاق ذي معنى، بعد جولة المفاوضات غير المباشرة التي جرت في جنيف في 17 من شباط/فبراير. حدَّد سقف المهلة ما بين 10 أيام وأسبوعين، والتي تبقى عملياً في غضون مهلة الشهر التي أعطاها سابقاً لطهران لعقد صفقة. الآن، يجب أن تُقدِّم طهران رداً ملموساً حول تفكيك برنامج إيران النووي بالكامل أو تواجه «عواقب سيئة جداً». ما ينتظره الأمريكيون هو «اقتراح مكتوب» في غضون الأيام المتبقية. خرج وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي يوم الجمعة في 20 الشهر الحالي ليُعلن أن مسودة الاتفاق ستكون جاهزة خلال يومين إلى ثلاثة قبل رفعها إلى القيادة الإيرانية العليا، فيما لدى ترامب محطة مهمة في الداخل الأمريكي مع خطاب «حال الأمة» في 24 من هذا الشهر. بعدها سيكون على «سيّد البيت الأبيض» أن يقيس مدى نجاح سياسة «العصا والجزرة»، والفرص الدبلوماسية الممزوجة بالتهديدات، وفي النتيجة، ستكون المنطقة إما أمام اتفاق وإما أمام حرب.
لا تتماهى القراءة العسكرية مع منطق أن هذه الاستعدادات العسكرية البحرية والجوية الضخمة والأكبر منذ «غزو العراق» ومليارات الدولارات التي صُرفت تأتي في إطار ممارسة الضغط على إيران لجلبها إلى اتفاق، حتى ولو رفع ترامب معادلة «السلام بالقوة». ولكن قد يفعلها الرئيس الأمريكي الذي لا يمكن لأحد أن يتكهن بما يدور في رأسه، والذي يمارس السياسة بطريقة من الصعب التنبؤ بها.
الحرب بذاتها، إنْ وقعت، لا يمكن احتساب نتائجها. ثمة مسارات ثلاثة يمكن أن تسلكها: ضربة تكتيكية محدودة تفتح باب صفقة؛ تصعيد متدحرج نحو حرب إقليمية؛ إعادة تموضع طويل الأمد من دون حسم.
الأفضل لترامب تحقيق إنجاز سريع. لا يُحبِّذ حرباً طويلة، ويريد صفقة بشروط قوة، وتجنب خسائر بشرية أمريكية كبيرة، فيما يرى نتنياهو أن لحظة تاريخية سانحة لتصفية الخطر الإيراني، ويريد غطاء أمريكياً لتحقيق ذلك، ويخشى أن تؤدي صفقة ضعيفة إلى تأجيل الأزمة فقط. أما إيران، فتطمح إلى عدم انهيار النظام لكنها لا تستطيع القبول بإملاءات تهدّد بنيته، وتفضّل الرد المحسوب لا الحرب الشاملة، وتعتمد على الردع غير المتماثل. لكن أي خطأ في الحسابات قد يُحوِّل السيناريو المحدود إلى انفجار إقليمي واسع.
في مقارنة القدرات، يظهر التباين بوضوح. الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً جوياً وبحرياً ساحقاً، وقاذفات استراتيجية، وقدرات استخباراتية وفضائية متقدمة، ومنظومات دفاع صاروخي متعددة المستويات. إسرائيل بدورها تتمتع بسلاح جو عالي الجاهزية وخبرة طويلة في العمليات الدقيقة بعيدة المدى. في المقابل، تعتمد إيران على ترسانة صاروخية واسعة العدد، ومسيَّرات منخفضة الكلفة، وقدرات على إرباك الملاحة في الخليج.
لا تملك إيران القدرة على خوض حرب جوية مفتوحة لفترة طويلة. تستطيع إغراق الجبهات بالصواريخ ورفع كلفة المواجهة اقتصادياً وأمنياً، ويمكنها إلحاق أذى مؤلم وفتح جبهات متعددة من قبل حلفائها (حزب الله من لبنان، والحشد الشعبي من العراق، والحوثي من اليمن)، إنما يستحيل عليها الصمود طويلاً أمام حملة جوية أمريكية – إسرائيلية منسَّقة. فالمعركة، إن اندلعت، ستكون غير متكافئة من حيث التكنولوجيا والقوة النارية.
ويبدو التهديد الإيراني بإغراق حاملة طائرات أمريكية أقرب إلى خطاب تهويلي وردعي، فاستهداف مجموعة قتالية أمريكية يتطلب قدرة تتجاوز ما هو مُتاح لإيران تقنياً، نظراً لمنظومات الدفاع البحري والجوي المتعددة المستويات. ستكون حسابات طهران تجاه استهداف إسرائيل بحزمات صاروخية أسهل، ولا سيما إنْ طلبت من «حزب الله» المشاركة. على أن المعطيات المتوافرة تُشير إلى أن إسرائيل ستبدأ بشن هجوم استباقي على الحزب في لبنان، عندما تأخذ الولايات المتحدة قرارها بتوجيه ضربة لإيران، وذلك قبل الرد على إيران أو مهاجمتها، في حين يُشير عسكريون إلى أن إسرائيل نجحت في تطوير واختبار أنظمة دفاعية جديدة، بعد حرب الـ12 يوماً، إذ أجرت تجارب ناجحة لأنظمة دفاع صاروخي متقدمة مثل «مقلاع داوود» بعد تفعيله، و«القبة الحديدية» و«السهم ثلاثة»، وأدخلت أنظمة «ليزر» مضادة للطائرات المسيَّرة والصواريخ، بالإضافة إلى قيامها بمناورات مشتركة مع شركات تصنيع طائرات F-35، تؤمِّن جاهزية متزايدة لضربة محتملة على المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية.
لم يعد السؤال إن كانت الضربة ستقع، بل كيف سيتم احتواؤها إنْ وقعت؟ الخلاصة أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق، بين تصعيد محسوب يُعيد الأطراف إلى التفاوض، وبين شرارة تتدحرج إلى مواجهة إقليمية تُعيد رسم خرائط الردع في الشرق الأوسط.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات