يثير إقصاء عدد من المنتخبين الحاليين في الجزائر من الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والحزبية، بعد شروع السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في دراسة ملفات المترشحين وإبلاغ عدد من الأحزاب والقوائم بقرارات الرفض.
وقد أعادت هذه التطورات النقاش حول السلطة التقديرية في تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، التي تتضمن شروطا مرتبطة بالنزاهة والابتعاد عما تصفه بـ”أوساط المال والأعمال المشبوهة”، خاصة مع شمول قرارات الإقصاء منتخبين وبرلمانيين حاليين وسابقين مرت ملفاتهم دون إشكال في الانتخابات السابقة.
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي عشية عيد الأضحى تفاعلا مع حالات رفض طالت نوابا حاليين ينتمون أساسا إلى حركة مجتمع السلم، من بينهم النائب زكرياء بلخير، الذي علق على قرار إقصائه ببيت شعري قال فيه: “أضاعوني وأي فتى أضاعوا..”. قبل أن يضيف: “ستخسر العهدة التشريعية العاشرة في الجزائر نائبا يصعب إيجاد مثيل له اسمه زكرياء بلخير”. وكان بلخير قد برز بتدخلاته المثيرة للجدل في البرلمان ومساهمته مؤخرا في إعداد مقترح قانون تجريم الاستعمار.
كما أثار إقصاء النائب أحمد بلجيلالي، وهو دكتور في الاقتصاد، تفاعلا أيضا، بعدما تساءل في منشور له عن المقصود بما وصفه “تهمة المواقف المثيرة للجدل”، قائلا إنه لم يجد لهذا التوصيف موضعا في القانون حتى يتمكن من “الدفع بالبراءة”. وعرف بلجيلالي خلال العهدة المنقضية بأسئلته حول واقع الشباب العاطلين عن العمل، خاصة من المتخرجين من الجامعة. كذلك، تم إسقاط ترشيح النائب الحالي سليمان زرقين، وهو من نفس الولاية تيارت الواقعة في غرب الجزائر.
وامتد الجدل إلى أحزاب أخرى، بعد الكشف عن رفض عدة ملفات تخص مترشحين من جبهة القوى الاشتراكية بولاية بجاية، إلى جانب مترشحين من التجمع الوطني الديمقراطي، في وقت تشير فيه المعطيات المتداولة إلى أن عملية الرفض لم تستثن أحدا من الأحزاب، سواء من الموالاة أو المعارضة، فضلا عن قوائم مستقلة.
وفي هذا السياق، أصدر حزب “جيل جديد” بيانا شديد اللهجة ندد فيه بما وصفه بـ”مناورة سياسية متعمدة”، عقب رفض عدد من ترشيحات الحزب داخل الوطن وخارجه. وقال الحزب إن قرارات الرفض طالت “تقريبا قوائم كاملة” عشية عيد الأضحى، معتبرا أن توقيت تبليغها عقد عملية تقديم الطعون القانونية ضمن الآجال المحددة.
وأوضح الحزب أن المعنيين بقرارات الرفض هم “أعضاء فاعلون ومعروفون داخل الحزب”، وتم تعيينهم بصفة قانونية وفق القوانين الداخلية والمصادقات الرسمية المسجلة لدى وزارة الداخلية، معتبرا أن أسباب الرفض المقدمة “غامضة وغير مدعمة بأدلة”. كما انتقد ما وصفه بتوجيه اتهامات مرتبطة بـ”أنشطة مشبوهة” دون وجود أحكام قضائية أو إجراءات قضائية نهائية، معتبرا أن ذلك يمثل “مساسا بشرف وسمعة الأشخاص المعنيين”.
وأكد “جيل جديد” عزمه التوجه إلى القضاء الإداري للطعن في القرارات، مشددا على أن “مسارا انتخابيا يقصي بقرار إداري الإطارات الشرعية لحزب سياسي معتمد لا يمكنه أن يدعي المصداقية ولا النزاهة”.
وكانت حركة مجتمع السلم قد عبرت بدورها، في بيان صادر عن مكتبها التنفيذي الوطني، عن “قلق بالغ” مما وصفته بـ”التوسع في التطبيق التعسفي للمادة 200″، معتبرة أن ذلك أدى إلى “إقصاء عدد من المترشحين دون الاستناد إلى أدلة قانونية واضحة أو أحكام قضائية نهائية”. وقالت الحركة إن استمرار مثل هذه الممارسات من شأنه “تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات”.
وفي خضم هذا الجدل، برزت أيضا تعليقات قانونية وسياسية تناولت المفارقة المرتبطة بالمادة 200، خاصة أن عددا من النواب الحاليين الذين يشتكون اليوم من آثار تطبيقها كانوا ضمن البرلمان الذي صادق على قانون الانتخابات الحالي. وفي هذا السياق، علق المحامي عبد الله هبول على الجدل القائم قائلا إن “مترشحين حاليين وسابقين يشتكون للرأي العام في فيسبوك من مقصلة المادة 200″، قبل أن يضيف بلهجة ساخرة أن هؤلاء النواب “هم أنفسهم الذين صوتوا عليها”.
من جهته، اعتبر المحامي توفيق هيشور أن النقاش الحالي لا يتعلق فقط بوجود شروط قانونية للترشح، وإنما بطريقة تفسير المادة 200 وحدود تطبيقها. وأوضح أن بعض حالات الرفض أفرزت “نقاشا قانونيا حقيقيا” حول التوازن بين حماية نزاهة الانتخابات وضمان الحق الدستوري في الترشح، مشيرا إلى أن النصوص التي تحتمل أكثر من تأويل قد تنتج آثارا تتجاوز الأهداف التي وضعت من أجلها.
وأضاف هيشور أن تفاوت تطبيق النصوص من ولاية إلى أخرى قد يفتح المجال أمام شعور بعدم الانسجام القانوني، معتبرا أن استقرار القاعدة القانونية ووضوحها يمثلان عنصرا أساسيا في بناء الثقة في العملية الانتخابية.
وتنص المادة 200 من قانون الانتخابات على مجموعة من الشروط الواجب توفرها في المترشح للمجلس الشعبي الوطني، من بينها عدم صدور أحكام نهائية سالبة للحرية في جنايات أو جنح معينة. كما تتضمن المادة شرطا أثار جدلا واسعا منذ انتخابات 2021، ويتمثل في ألا يكون المترشح “معروفا لدى العامة بصلته مع أوساط المال والأعمال المشبوهة وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية”.
ويعتبر هذا الشرط من أكثر البنود إثارة للنقاش، بسبب ما يراه منتقدوه صياغة فضفاضة تسمح بتفسيرات واسعة، في حين ترى السلطات والمدافعون عن النص أنه يهدف إلى حماية الانتخابات من تأثير المال الفاسد ومنع اختراق المؤسسات المنتخبة.
أما من الناحية الإجرائية، فتنص المادة 206 من قانون الانتخابات على أن رفض أي ترشح يجب أن يكون “معللا تعليلا قانونيا صريحا”، بقرار يصدر عن منسق السلطة المستقلة للانتخابات بعد الأخذ برأي اللجنة المختصة. كما تلزم المادة بإبلاغ قرار الرفض خلال عشرة أيام من تاريخ إيداع ملف الترشح، مع اعتبار الملف مقبولا إذا انقضى هذا الأجل دون رد.
ويتيح القانون للمترشح المرفوض الطعن أمام المحكمة الإدارية المختصة خلال ثلاثة أيام من تاريخ تبليغه بالقرار، على أن تفصل المحكمة في الطعن خلال أربعة أيام، مع إمكانية الاستئناف أمام المحكمة الإدارية للاستئناف، التي يكون قرارها نهائيا وغير قابل للطعن.
كما تنص المادة 207 على أنه في حالة رفض مترشحين ضمن قائمة انتخابية، يمكن تعويضهم وتقديم مترشحين جدد قبل خمسة وعشرين يوما من موعد الاقتراع، وهو ما يدفع الأحزاب حاليا إلى البحث عن بدائل سريعة لتعويض الأسماء التي تم إسقاطها قبل الإعلان النهائي عن القوائم المعتمدة لخوض انتخابات الثاني من يوليو المقبل.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات دراسة الملفات المودعة، وسط ترقب سياسي لما ستسفر عنه الطعون القضائية، خاصة مع اتساع دائرة الجدل حول تطبيق المادة 200 وتأثير ذلك على الانتخابات المقررة في 2 تموز/يوليو المقبل.

تعليقات الزوار
لا تعليقات