أخبار عاجلة

المرأة الجزائرية في مواجهة قطعان ومحاصصة نساء الجنوب في البرلمان!

قد يكون الحراك المحطة التاريخية الأهم في حياة الأمة الجزائرية خلال العقد الأخير، محطة توقف عندها قطار البلاد، لإصلاح عطب ربما، لتقدير مناعة القطار ممكن، أو لأسباب أخرى قد يصعب التكهن بها، فالحياة السياسية راكدة، والفكرية والثقافية حولت على المعاش المبكر (أو التنفس الاصطناعي).
احتفت الصحافة الوطنية والدولية يومها بما عرف بالمربع النسوي التي نشطته وجوه فاعلة من نسوة البلاد: كاتبات وصحافيات وناشطات نسويات، عبرن فيه عن آمالهن وأحلامهن، واقتراحاتهن عما يمكن أن تكونه جزائر جديدة.
المربع الذي تحول إلى رمز، جعل كثرا يغفلون، أو لا يكترثون بخطاب أكثر قسوة أخذ يزحف في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي: «سنعيدكن إلى بيوتكن»، «ستعدن إلى حجمكن».
التأويلات على قلتها تراوحت بين القراءة المؤامرتية، وبين التقليل من حجم التهديد، فنسوة البلاد قويات بموجب القانون ومساحتهن الواقعية، وهن الأكثر قدرة على التكيف مع مؤسسات الأمة الأبوية الممتدة بالمناسبة أيضا.

نساء وقطعان

فيما يزحف الخطاب الذكوري الشعبوي على وجه العالم (الافتراضي على الأقل) ويتهيكل، ويدفع كثرا إلى التوقف عنده وعلى دور وسائل التواصل في بثه، وحدود التحكم في تأثيراته على الأفراد والواقع.
يحتار المطالع لآخر تطورات هذا الخطاب في المنطقة العربية الذي لن يكون وليد لحظة، أو نتاج تحولات سياسية، بل فيه من الامتداد التاريخي، ودعم الرسمي فيه لهذا الامتداد ما يجعله ظاهرة واجبة القراءة بأدوات ثقافية واجتماعية خاصة.
«سينما نسوة» تلك العبارة التي تتبادر إلى ذهن متابع آخر توجهات مواقع التواصل الاجتماعي، والسينما لفظ يطلقه اللسان الشعبي على كل قضية تتحول إلى مادة للجدل، وتثير الكثير من النقاش، في بلد أخشى ما يخشاه عوامه الأضواء. لم يكونوا ليسمحوا أن تزحف أجزاءه الناعمة على آخر الفضاءات الخشنة.
انطلق الجدل بمقطع فيديو لقناة جهوية غرب البلاد تسبر رأي امرأة في أسعار الأضاحي، لتجيب السيدة التي تبدو في العقد الخامس، والوحيدة بذلك السوق بأنها تجد الأسعار مرتفعة مع انعدام خبرتها بالموضوع، لم تكد السيدة التي رافقها طفل صغير تنهي جملتها حتى تدخل شاب ليعرب عن غضبه لتواجدها هناك، ولا تجد غير الدفاع عن نفسها بكل الحجج الشعبية الدينية على رأسها. «حرارة النقاش» سرعان ما انتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
«ليس مكانا للنساء» برر تيار واسع من الرجال والنساء، الذين دافعوا عن آخر قلاع «الشنبات واللحى» التقليدية. «لم نر في حياتنا ما رأينا في هذه السنة، كيف لامرأة عاقلة أن تدخل سوق الأضاحي، وتأتي فعل الرجال؟»، «لقد قال كلمة حق»، «إنه الفكر ذاته الذي جعلهن تخرجن إلى الشوارع وتلجن سوق العمل، ثم سوق الكباش اليوم»، «السوق الذي تدخله النساء لم يعد سوقا»، «وإن لم يكن حراما فهو من المنكرات الشرعية، تريدون خلط الحق بالباطل ودس السم في العسل».
سم وعسل رد به من دافعوا عن السيدة: «لقد أجابته، لو وجدت رجالا في حياتها لما ولجت سوق الرجال»، «لو كان رجلا لطلب منها البقاء بعيدا واختار لها أضحية»، «لم تدخل بمفردها، لقد أتت بمحرم لها» (طفل صغير لم يتجاوز العشر سنوات)، «انظروا إلى فرحة الصغير الذي يرافقها، ربما هو يتيم ولم يجد غير أمه ليعيش فرحة أقرانه»، «ما أتته السيدة ليس بالحرام».
محاولة رصد أهم ملامح «قضية الرأي» هذه تضع الملاحظ أمام حقيقتين، تفاوت بين السردية التقليدية المتغلغلة، انتشارها، وقوانين تكرس مساواة واقعية (في كثير من القضايا)، تجذر أبوية وتحولها في سياق جزائري يبدو أن الزمن سيكون عنصر الحسم الوحيد فيه، على حساب النساء دائما.

نساء الأطراف والبرلمان

قد تكون الجزائر البلد الوحيد الذي يطلق فيه على يوم الثامن من آذار/ مارس «عيد المرأة» عوض «اليوم العالمي للدفاع عن حقوق المرأة»، وقد أدت عدة عوامل لتكريس الملفوظ، هو اليوم الذي لم يكن ليوجد في عالم سوي. لقرابة العقدين يتحول نصف يوم في السنة لفرصة للاحتفال بالنساء في مختلف المؤسسات، تكريمات وصور يلتقطها رجال على الأغلب مع سيدات وأنسات من مرؤسيهم في مختلف المؤسسات، تتحول الفضاءات العامة لفسحات للغناء والرقص.
لا أحد يعلم متى تحديدا تحول اليوم الرسمي إلى عيد شعبي، صارت فيه العوائل تهدي النساء زهورا وهدايا في هذا اليوم. قوانين كثيرة سنت لصالح النسوة سيقول متابع، في برلمانات ذكورية على الأغلب ولكن تحت سيطرة قوى أعمتها طموحاتها في لحظة نشوة السلطة عن رؤية تعقيد الواقع، ما جعل القوى التي عوضتها تتراجع عن نظام المحاصصة تلك، لضعف واقعيته من جهة، في بلد تتلاشى فيه القوى السياسة، يعيش على «نظام الاقتصاد الدائري» في استهلاك ريع ذاكرة سياسية، وعجز النخب الجديدة على الاقتناع بممارسة السياسة بأدواتها التقليدية، في امتداد نسبي لما تعيشه مختلف شعوب العالم حتما، وأيضا عدم قدرة/ رغبة الانخراط بأدوات جديدة لانغلاق الفضاء من طرف قوى أكثر تأثيرا لضمان مزيد من السيطرة، وأيضا – ربما – لضمان تهدئة شعبية ومغازلة تيار رأى في مكاسب النساء تهديدا وجوديا.
لا يخفى على أعمى المساحة التي صار يحظى بها الجنوب على صعيد جماهيري – لحسن الحظ – مغنيون، ممثلون، إعلاميون مؤثرو سوشيال ميديا وغيرهم، من مناطق جنوبية جزائرية مختلفة، بعضهم يقطن الشمال وبعضهم يعيش في مسقط رأسه، تمكنوا في وقت وجيز من التحول إلى نجوم، منحوا الساحات لونا ظل مغيبا طويلا، لا أحد يعلم دور الرسمي في هذا التحول، ولكنه محمود جدا. لكن أكثر المتابعين المتفائلين لهذا التحول لم يكن ليتوقع أن تقدم نسوة من أقصى الجنوب الشرقي (إليزي على الحدود مع ليبيا) على اعلان قائمة نسوية خالصة للترشح للتشريعيات المقبلة. ثماني نساء أودعن طلبا للترشح عن مدينتهن لا تعرف منهن سوى سيدة واحدة، باحثة في علم النفس، بحسب ما تناولته وسائل التواصل الاجتماعي. ما كاد الطلب يودع حتى ضجت المنصات الرقمية بالخبر، ففي الوقت الذي انطلقت فيه معارك كسر العظام في مختلف ربوع الوطن الشاسع، مع وجود رغبة قوية في تحريك ركد الحياة السياسية من خلال فرض بروز وجوه جديدة بالقوة (عوض الأفكار والبرامج) قررت نسوة في منطقة لا يعرف عنها سكان المركز التقليدي شيئا أو بالكاد الترشح عن مدينتهن. «ماذا قائمة نسوية خالصة؟ فكرة ممتازة، على الأقل عارضن نظام المحاصصة بطريقتهن». «شيء عادي لدى نساء الطوارق، تقدن مجتمعاتهن منذ أزمنة بعيدة، لا شيء يصعب عليهن». «هل تترشحن لتنقلن هواجس مدينتهن، أم هواجس كل البلاد؟»، «لما لا نجربهن، ففي النهاية من يعرف الواقع أكثر منهن». «هل من بارود يا نساء (كناية عن عجز -متخيل – الرجال)». تعليقات كثيرة تناقلتها عدة صفحات بدت فيها المفاجأة العنصر الأكثر حضورا، وتفاعلا مع مختلف أكثر منه تفاعلا مع واقعة تتطلب تأنيا في قراءة أبعادها، مدى واقعيتها، ومدى قدرتها على تجاوز «التقليع» نحو فرض منطق جديد، في ظل غياب أي تصريح، وصورة لمرشحة واحدة!

غادة بوشحيط

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات