في مشهد يكاد يشبه مسرحية عبثية، تبدو العلاقات الفرنسية الجزائرية وكأنها تدور داخل حلقة مفرغة من التناقضات والرسائل المزدوجة. فكلما حاولت باريس إظهار رغبتها في التقارب مع الجزائر، خرج مسؤول فرنسي بتصريحات مستفزة تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، وكأن الإليزيه يدير الملف بعقلين متناقضين لا يجتمعان.
فبينما يجوب وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو العواصم المغاربية مطلقا مواقف تزيد التوتر مع الجزائر وتنسف أي محاولة للتهدئة، يظهر وزير العدل جيرالد دارمانان في صورة “الوسيط الهادئ”، محاولاً ترميم ما تفسده التصريحات السياسية المتشنجة داخل حكومته.
دارمانان، وفي خرجة إعلامية عبر صحيفة “لوجورنال دو ديمانش”، حاول التذكير بأهمية الجزائر بالنسبة لفرنسا، ليس فقط باعتبارها شريكا إقليميا محوريا، بل أيضا كمصدر استراتيجي للطاقة وحاجز أمني يخفف ضغط الهجرة نحو أوروبا. خطاب يعكس براغماتية فرنسية واضحة، حيث تتحرك المصالح الاقتصادية والأمنية فوق أي اعتبارات سياسية أو دبلوماسية.
غير أن هذا التناقض داخل الحكومة الفرنسية يكشف بوضوح ارتباك باريس في إدارة علاقتها مع الجزائر. فمن جهة، تسعى فرنسا إلى استعادة التعاون الأمني وترحيل المطلوبين، ومن جهة أخرى ترفض تسليم أشخاص تطالب بهم العدالة الجزائرية، ما يجعل خطاب “الشراكة والثقة” فاقداً للمصداقية في نظر كثيرين.
الأزمة لم تعد مجرد سوء تفاهم دبلوماسي، بل تحولت إلى لعبة “الشرطي الجيد والشرطي السيئ”، حيث تحاول باريس الحفاظ على خيط رفيع بين المصالح الاقتصادية مع الجزائر وحساباتها السياسية والإقليمية المعقدة.
لكن الواقع يؤكد أن هذا “التقارب” يبقى هشا وسريع الاحتراق، لأن العلاقات بين البلدين لا تبنى على الثقة بقدر ما تدار بمنطق الصفقات الظرفية والمصالح المؤقتة، وعلى رأسها ملف الغاز والهجرة. لذلك، يبدو أن أي مصالحة حقيقية ستظل مؤجلة، ما دام الخطاب الفرنسي يتحرك بين المجاملة العلنية والضغوط الخفية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات