أخبار عاجلة

أسعار الأضاحي في المغرب المبالغ فيها تصدم الشعب

مع اقتراب عيد الأضحى، يعيش عدد كبير من المغاربة حالة من القلق والإحباط بسبب الارتفاع الكبير الذي تشهده أسعار الأضاحي، في وقت كان فيه كثيرون ينتظرون أن ينعكس الموسم الزراعي الإيجابي وتحسن التساقطات على أثمنة المواشي واللحوم. غير أن واقع الأسواق جاء مخالفاً لهذه التوقعات، لتعود القدرة الشرائية إلى صدارة النقاش العمومي، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة ووزارة الفلاحة بشأن تدبير ملف الأغنام والدعم العمومي المخصص للقطاع.
ورغم المؤشرات الإيجابية التي طبعت الموسم الزراعي الحالي، وما رافقها من حديث رسمي عن تحسن مردودية عدد من الزراعات، فإن الأسواق الأسبوعية ونقط بيع المواشي تعرف هذه السنة موجة تذمر واسعة بسبب الأسعار التي يعتبرها المواطنون «مرتفعة وغير مسبوقة»، خاصة بالنسبة للأسر محدودة ومتوسطة الدخل التي تجد نفسها أمام أعباء إضافية في ظرفية اجتماعية صعبة.
وفي عدد من الأسواق، تراوح أسعار الأضاحي بين مستويات مرتفعة تختلف حسب السلالة والوزن والمنطقة، بينما يؤكد مواطنون أن ثمن الخروف لم يعد في متناول شريحة واسعة من الأسر، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. ويرى كثيرون أن عيد الأضحى، الذي كان يشكل مناسبة للفرحة والتضامن، تحول تدريجياً إلى مصدر ضغط نفسي ومادي بالنسبة لعدد من العائلات المغربية.
الجدل حول أسعار الأضاحي لم يبق محصوراً داخل الأسواق، بل امتد إلى قبة البرلمان، بعدما أثارت تصريحات وزير الفلاحة، أحمد البواري، موجة واسعة من السخرية والانتقاد خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، إثر حديثه عن توفر أضاحي العيد بأسعار تبدأ من 1000 و1500 درهم (حوالي 100 و150 دولاراً).
التصريح أثار استغراب النواب والمتابعين، بالنظر إلى الأثمان المتداولة فعلياً داخل الأسواق المغربية، قبل أن يعود الوزير لاحقاً لتصحيح أرقامه، موضحاً أن أسعار الأضاحي تبدأ من 2000 إلى 2500 درهم (حوالي 200 و250 دولاراً). غير أن التوضيح لم يخفف من حدة الانتقادات، بل زاد من الجدل، خاصة بعدما شدد الوزير على أنه «يعرف السوق ويراقب الأسعار»، وهو ما اعتبره مراقبون بعيداً عن الواقع اليومي الذي يعيشه المواطنون داخل الأسواق.
وسرعان ما تحولت تصريحات الوزير إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تساءل عدد من النشطاء إن كان المسؤول الحكومي يتحدث فعلاً عن الأسواق المغربية، بينما رأى آخرون أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في الخطأ في الأرقام، بل في محاولة إقناع المواطنين بمعطيات تناقض ما يُعاينونه يومياً.
وفي خضم هذا الجدل، أعلنت الحكومة عن حزمة من التدابير الجديدة لتنظيم أسواق بيع أضاحي العيد، في خطوة قالت إنها تهدف إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان شفافية المعاملات التجارية داخل الأسواق.
القرار الذي أصدره رئيس الحكومة عزيز أخنوش، يأتي في إطار الاستعدادات لعيد الأضحى لسنة 1447 هـ / 2026، ويرتكز على مجموعة من الإجراءات التنظيمية الرامية إلى الحد من المضاربة والتلاعب بالأسعار، استناداً إلى قانون حرية الأسعار والمنافسة وبعد استشارة مجلس المنافسة.
ومن أبرز التدابير التي تضمنها القرار حصر بيع الأضاحي داخل الأسواق المرخصة قانوناً، مع إلزام البائعين بالتصريح المسبق لدى السلطات المحلية بهوياتهم وعدد الأضاحي ومصدرها، إضافة إلى منع إعادة بيع الأضاحي داخل نفس الأسواق، وحظر كافة أشكال المزايدات غير المشروعة أو الاتفاقات الرامية إلى رفع الأسعار بشكل مصطنع.
كما نصت الإجراءات الحكومية على منع تخزين الأضاحي خارج المسالك التجارية الطبيعية بهدف خلق ندرة مصطنعة في السوق، إلى جانب اعتماد عقوبات زجرية صارمة في حق المخالفين، قد تصل إلى الحجز والإغلاق المؤقت لنقط البيع، فضلاً عن الغرامات والعقوبات القانونية الأخرى.
ودعت الحكومة مختلف الفاعلين والمهنيين إلى التحلي بروح المسؤولية والالتزام بالقوانين المنظمة للأسواق، بما يضمن شفافية المعاملات ويحمي المستهلك من المضاربات والاحتكار. وفي تعليقه على الإجراءات الحكومية، ثمّن نور الدين احمانو، رئيس «الجمعية المغربية لحماية المستهلك والدفاع عن حقوقه»، الخطوات التنظيمية التي أعلنتها الحكومة، داعياً في المقابل إلى تشديد المراقبة وتفعيل العقوبات ضد المضاربين والسماسرة الذين يستغلون المناسبات الدينية لرفع الأسعار وتحقيق أرباح غير مشروعة.
وأكد احمانو على ضرورة التطبيق الصارم للقانون، وتعزيز الرقابة داخل الأسواق ونقط البيع، بما يضمن شفافية الأسعار ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل تزايد شكاوى الأسر من الارتفاع المستمر في أثمنة الأضاحي واللحوم الحمراء.
في المقابل، دخلت المعارضة البرلمانية على خط الجدل الدائر حول أسعار الأضاحي والدعم الموجه لاستيراد الأغنام، حيث دعت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن حزب «فدرالية اليسار الديمقراطي»، وزير الفلاحة إلى تقديم توضيحات بخصوص ما وصفته بتضارب المعطيات المتعلقة بعدد رؤوس الأغنام المستوردة بدعم من الدولة.
وأشارت التامني إلى أن الحكومة سبق أن أقرت إعفاءات ضريبية وجمركية، إلى جانب دعم مباشر بقيمة 500 درهم (حوالي 50 دولاراً) عن كل رأس مستورد خلال سنتي 2023 و2024، غير أن هذه الإجراءات، حسب تعبيرها، لم تنعكس بشكل ملموس على الأسعار داخل الأسواق الوطنية.
الأخطر، وفق النائبة البرلمانية، هو وجود تضارب كبير بين أرقام وزارة الفلاحة وبيانات مكتب الصرف بشأن عدد رؤوس الأغنام المستوردة، حيث تحدثت الوزارة عن 386 ألف رأس، بينما تشير بيانات مكتب الصرف إلى أن العدد لم يتجاوز 136 ألف رأس، ما يعني وجود فارق يفوق 250 ألف رأس، وهو ما يثير، بحسبها، تساؤلات جدية حول سلامة تدبير المال العام المرتبط بهذه العملية.
وطالبت التامني بالكشف عن الكلفة الإجمالية التي تحملتها خزينة الدولة بسبب الإعفاءات الجمركية والضريبية، مع تحديد عدد المستوردين المستفيدين من الدعم، وتوضيح آليات المراقبة والتتبع التي اعتمدتها الوزارة لضمان انعكاس الدعم على خفض الأسعار لفائدة المستهلك النهائي، وليس على تضخيم أرباح الوسطاء والمستوردين.
ومن جهتها، اعتبرت سلوى البردعي، عضو المجموعة النيابية لـ حزب «العدالة والتنمية»، أن المناسبات الدينية والحياة اليومية للمغاربة تحولت إلى عبء ثقيل بسبب الغلاء، مشيرة إلى أن الحكومة تتحدث عن وفرة في رؤوس الأغنام، بينما لا يظهر ذلك داخل الأسواق.
وانتقدت البردعي تصريحات وزير الفلاحة بشأن أسعار الأضاحي، معتبرة أن تقديم أرقام متناقضة في جلسة دستورية يطرح علامات استفهام حول مدى إدراك المسؤولين لحجم معاناة المواطنين. كما تساءلت عن مآل الدعم الحكومي الموجه لمستوردي الأغنام، والذي قالت إنه تجاوز 13 مليار درهم (1.3 مليار دولار أمريكي)، دون أن ينعكس على أسعار اللحوم أو الأضاحي داخل الأسواق.
بدوره، عبر «الحزب المغربي الحر» عن «قلقه الشديد» من الارتفاع «المهول وغير المسبوق» لأسعار الأضاحي، متهماً الحكومة بالعجز عن حماية القدرة الشرائية للمغاربة، وترك المواطنين «فريسة للسماسرة ولوبيات الاحتكار».
واعتبر الحزب أن موجة الغلاء التي تعرفها الأسواق خلال المناسبات الدينية أصبحت تحرم عدداً من الأسر من الاحتفال بأجواء العيد بشكل طبيعي، منتقداً تصريحات المسؤولين الحكوميين التي وصفها بـ»المضللة» بشأن أسعار الأضاحي، ومطالباً بفتح تحقيقات شفافة حول ملف الدعم العمومي والامتيازات الممنوحة لكبار المستوردين والمزارعين.

الطاهر الطويل

 

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات