سجّل إعلان السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن تفاصيل القوائم المترشحة للانتخابات التشريعية المقررة يوم الثاني من يوليو/ تموز المقبل، الكثير من المفاجآت السياسية والتنظيمية، أبرزها صعود ولاية تيزي وزو بوصفها الولاية الأكثر تنافسا من حيث عدد القوائم المودعة، رغم أنها ظلت تاريخيا إحدى أبرز معاقل المقاطعة الانتخابية في البلاد.
وفي البيانات والجداول التي نشرتها السلطة الوطنية للانتخابات، لوحظ أيضا تراجع حاد للقوائم الحرة مقارنة بانتخابات 2021، مقابل عودة قوية للأحزاب التقليدية، وبروز جبهة المستقبل المحسوبة على الموالاة، باعتبارها الحزب الأكثر حضورا داخل الوطن وخارجه من حيث عدد القوائم.
وتعكس هذه المعطيات تحولا واضحا في المناخ السياسي الذي يسبق التشريعيات المقبلة، حيث يبدو أن الأحزاب السياسية استعادت جزءا كبيرا من حضورها التنظيمي بعد سنوات من صعود القوائم المستقلة التي استفادت من أجواء ما بعد حراك 2019، فيما عادت بعض أحزاب المعارضة التقليدية التي ارتبطت لفترات طويلة بخطاب المقاطعة أو التحفظ على المسار الانتخابي إلى خوض المنافسة بشكل أوسع.
ومن بين أبرز المؤشرات التي لفتت الانتباه في هذه الأرقام، تصدر ولاية تيزي وزو المشهد الانتخابي من حيث عدد القوائم، بعدما سجلت 23 قائمة، بينها 12 قائمة حزبية و11 قائمة حرة، علما أن أغلب هذه القوائم كانت مطالبة بجمع عدد كبير من التوقيعات لدخول المنافسة. ويكتسي هذا الرقم دلالة سياسية خاصة بالنظر إلى أن الولاية ارتبطت لعقود بصورة المقاطعة الانتخابية وضعف المشاركة، باعتبارها إحدى أبرز معاقل منطقة القبائل التي شهدت تاريخيا حضورا قويا للتيار ذي الخط المعارض الراديكالي للسلطة.
ويعكس هذا الارتفاع في عدد القوائم نوعا من إعادة التموضع داخل المشهد السياسي المحلي، خاصة مع اتجاه الأحزاب التقليدية في المنطقة إلى تكثيف مشاركتها الانتخابية، ومحاولة استعادة مواقعها داخل المؤسسات المنتخبة بعد سنوات من التراجع أو المقاطعة الجزئية. كما يظهر أن جزءا من الفاعلين المحليين باتوا يفضلون خوض المنافسة السياسية من داخل المؤسسات بدل الاكتفاء بخطاب المقاطعة الذي طبع مراحل سابقة.
وفي المقابل، أظهرت بعض الولايات الجنوبية والداخلية مستويات تنافس أقل، على غرار أدرار التي سجلت 6 قوائم حزبية فقط دون أي قائمة حرة، ما يظهر استمرار التفاوت بين الولايات في كثافة النشاط السياسي والحزبي. وفي الولايات الكبرى، أودعت بالعاصمة 15 قائمة، منها 14 حزبية وقائمة حرة واحدة، بينما سجلت وهران كبرى ولايات الغرب 13 قائمة بينها 12 حزبية وقائمة حرة، في حين بلغت القوائم المودعة بقسنطينة عاصمة الشرق الجزائري 18 قائمة، منها 14 حزبية و4 قوائم حرة.
أما على مستوى الأحزاب، فقد تصدرت جبهة المستقبل المشهد من حيث عدد القوائم المودعة، بعدما قدمت 68 قائمة داخل الوطن و8 قوائم بالخارج، بإجمالي 76 قائمة، متقدمة بذلك على كل من جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، اللذين سجلا 69 قائمة داخلية و6 قوائم خارجية لكل منهما.
ويبرز هذا المعطى استمرار قوة أحزاب الموالاة داخل الخريطة السياسية، حيث حافظت أحزاب السلطة التقليدية على انتشار تنظيمي واسع مكّنها من تغطية أغلب الدوائر الانتخابية، مستفيدة من شبكاتها المحلية وخبرتها في التعامل مع الانتخابات. كما يعكس صعود جبهة المستقبل الذي يقوده فاتح بوطبيق المنتخب قبل أسابيع رئيسا البرلمان الإفريقي، استمرار توسع هذا الحزب خلال السنوات الأخيرة وتحوله إلى أحد أبرز الفاعلين في معسكر الموالاة.
كما سجلت حركة البناء الوطني المحسوبة أيضا على الموالاة والتي تنتمي للتيار الإسلامي، حضورا قويا بـ67 قائمة داخلية و4 قوائم خارجية، بينما أودعت حركة مجتمع السلم التي تنتمي لنفس المعسكر الفكري لكن على طرف المعارضة، 64 قائمة داخل الوطن و6 بالخارج، في حين شاركت جبهة العدالة والتنمية التي يقودها عبد الله جاب الله بـ13 قائمة داخلية فقط.
ويظهر من خلال هذه الأرقام أن التيار الإسلامي لا يزال يحتفظ بحضور معتبر داخل المشهد الحزبي، رغم التباينات السياسية والتنظيمية بين مكوناته. فحركة مجتمع السلم، التي تعد أكبر الأحزاب الإسلامية المعارضة، واصلت الحفاظ على انتشارها الوطني وقدرتها على تغطية أغلب الولايات، بالتوازي مع خطاب سياسي يركز على ضرورة توفير ضمانات لنزاهة الانتخابات ورفض ما تعتبره تضييقا على بعض المترشحين.
أما حركة البناء الوطني، التي شاركت في السلطة خلال السنوات الأخيرة ودعمت خيارات الرئيس عبد المجيد تبون، فقد أكدت بدورها حضورها القوي داخل هذا الاستحقاق، مستفيدة من توسعها التنظيمي خلال السنوات الأخيرة.
وفي جناح المعارضة الديمقراطية، عادت أحزاب ارتبط اسمها لفترات طويلة بالمقاطعة أو التحفظ السياسي إلى تسجيل حضور انتخابي لافت. فقد أودعت حزب العمال 29 قائمة داخلية، بينما قدمت جبهة القوى الاشتراكية وهي أقدم حزب معارض في الجزائر 22 قائمة داخلية و5 بالخارج، في حين شارك التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بـ8 قوائم داخلية وقائمتين بالخارج.
ويعكس هذا التوجه رغبة هذه الأحزاب في الحفاظ على حضورها داخل المؤسسات المنتخبة، رغم استمرار خطابها النقدي تجاه المناخ السياسي والانتخابي. كما يكشف عن إدراك متزايد داخل جزء من المعارضة بأن الغياب الكامل عن البرلمان قد يؤدي إلى مزيد من التراجع السياسي والتنظيمي، خاصة في ظل التحولات التي عرفها المشهد الحزبي خلال السنوات الأخيرة.
بالمقابل، شكل الانخفاض الحاد في عدد القوائم الحرة أحد أبرز التحولات في هذه الانتخابات، بعدما تراجع عددها إلى نحو 10 أضعاف بـ 138 قائمة فقط. ويمكن تفسير ذلك بالصعوبات التنظيمية والإدارية المرتبطة بجمع التوقيعات وإعداد الملفات، إلى جانب عودة عدد من المناضلين إلى العمل تحت مظلة الأحزاب التقليدية التي توفر إمكانيات تنظيمية ومالية أكبر.
وبلغة الأرقام، أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن الحصيلة النهائية لملفات التصريح الجماعي بالترشح بلغت 854 قائمة على المستوى الوطني، منها 788 قائمة تخص الدوائر الانتخابية داخل الوطن و66 قائمة تخص الجالية الوطنية بالخارج، بإجمالي 10696 مترشحا.
وأوضحت الهيئة أن القوائم المودعة داخل الوطن توزعت بين 649 قائمة تحت رعاية 32 حزبا سياسيا، وقائمة واحدة في إطار تحالف حزبي، إضافة إلى 138 قائمة حرة، فيما بلغ عدد المترشحين داخل الوطن 10168 مترشحا. أما في الخارج، فقد تم إيداع 59 قائمة حزبية وقائمة تحالف واحدة و6 قوائم حرة، بإجمالي 528 مترشحا.
وإلى غاية يوم السبت 23 أيار/ماي 2026 على الساعة الثالثة والنصف مساء، تمت دراسة 101 ملف لقوائم مترشحين، منها 86 ملفا تحت رعاية أحزاب سياسية و15 ملفا بعنوان قوائم حرة.
وأضافت السلطة أن عدد المترشحين المقبولين بلغ 1235 مترشحا، مقابل رفض ترشيح 269 مترشحا خلال المرحلة الأولى من دراسة الملفات، وهو رقم أثار اهتماما واسعا داخل الأوساط السياسية والحزبية، خاصة في ظل الجدل المتواصل حول شروط قبول الملفات وتطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات المتعلقة بحالات الإقصاء.
وفي المجمل، تكشف المعطيات الأولية الخاصة بالتشريعيات المقبلة عن مشهد حزبي متداخل ومعقد، يجمع بين عودة قوية للأحزاب التقليدية، واستمرار حضور التيار الإسلامي، ومحاولة التيار الديمقراطي استعادة مواقعه، مقابل تراجع واضح للقوائم الحرة التي كانت إحدى أبرز ظواهر انتخابات ما بعد الحراك.

تعليقات الزوار
لا تعليقات