في ظل تصاعد غير مسبوق لنشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الإفريقي، تتجه الأنظار إلى دول شمال وغرب إفريقيا مع تنامي المخاوف من امتداد التهديدات الأمنية خارج بؤرها التقليدية.
وعكست تحذيرات صادرة عن القيادة الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» قلقًا متزايدًا من توسّع رقعة العنف وعدم الاستقرار، بما قد يطال دولًا كانت حتى وقت قريب في منأى نسبي عن هذه المخاطر، مثل موريتانيا والمغرب والجزائر وليبيا.
وبينما تعيد دول شبه المنطقة تقييم استراتيجياتها الأمنية، تتابع موريتانيا تطورات المشهد بحذر، في ظل معادلة دقيقة تجمع بين يقظة أمنية مشددة، وحراك دبلوماسي إقليمي، ورهان على الوقاية الاستباقية لمنع تسلل التهديدات عبر حدودها الشاسعة.
وتؤكد الأحداث التي شهدتها المنطقة مؤخرا تمددا غير مسبوق للجماعات المسلحة وتنوّع أساليبها الهجومية، في مشهد أمني يثير قلق العواصم الإقليمية والدولية على حدّ سواء.
وفي خضم هذا التدهور، أطلقت قيادة القيادة الأمريكية في إفريقيا «أفريكوم» تحذيرًا صريحًا من تفاقم التهديدات العابرة للحدود، داعيةً إلى تعزيز التعاون الإقليمي وتكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية.
وخلال إحاطة رقمية، أكد قائد أفريكوم، الجنرال داغفين آر. إم. أندرسون، أن الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية بالذات، باتت تمارس ضغطًا متزايدًا على دول الساحل وعواصمها، محذرًا من قابلية هذا التهديد للتمدّد نحو دول خليج غينيا الساحلية.
وأوضح الجنرال أندرسون «أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تمثّل أحد أبرز محرّكات عدم الاستقرار، مع قدرتها على المناورة واستغلال الفراغات الأمنية».
وشدد أندرسون على «أن الاستجابة الفعّالة تتطلب عملًا جماعيًا قائمًا على تقاسم المعلومات الاستخباراتية، وتطوير قدرات المراقبة، وتحسين التنسيق العملياتي». كما جدّد التأكيد على «نهج واشنطن القائم على الشراكات مع الدول الراغبة والقادرة»، مستشهدًا بتجربة التعاون مع نيجيريا، وبالاستثمار في مراكز تميّز للتدريب وبناء الجاهزية في شمال إفريقيا، لا سيما بالمغرب وتونس.
وتزامنت تحذيرات أفريكوم مع إعلان تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن هجوم استهدف مطار نيامي، في مؤشر على انتقال الجماعات إلى استهداف بنى تحتية حساسة ورمزية.
وقد أثار الهجوم ردود فعل داخل تحالف دول الساحل، التي سارعت إلى التأكيد على أولوية تأمين المنشآت الحيوية وتعزيز الدفاعات الجوية والاستخباراتية، وسط مخاوف من تكرار السيناريو في عواصم أخرى.
وبالتوازي، تسلّمت مالي شحنات أسلحة جديدة، في خطوة تهدف إلى رفع الجاهزية القتالية للقوات الحكومية.
وأعقب ذلك تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع لجهاديين في مناطق قريبة من الحدود المالية الموريتانية، في رسالة ردع مباشرة تهدف إلى كبح حركة المجموعات المسلحة وقطع خطوط إمدادها، خصوصًا بعد تكثيف الهجمات على قوافل الوقود التي خلّفت قتلى في صفوف السائقين المدنيين.
وفي هذا السياق المتقلب، تتابع موريتانيا التطورات عن كثب، واضعةً في حسبانها حساسية حدودها الشرقية وتشابك المسارات العابرة للحدود.
وتقوم المقاربة الموريتانية على اليقظة الاستباقية، وتعزيز المراقبة، وتكثيف التنسيق مع الشركاء، في ظل قناعة راسخة بأن أمن الساحل منظومة مترابطة، وأن أي اختراق في دولة مجاورة قد ينعكس على الإقليم بأسره.
وبإضافة ما يشهده الساحل الإفريقي حاليا من تصاعد مقلق في نشاط الجماعات المسلحة لتوسّع رقعة عمليات هذه الجماعات وخروجها من بؤرها التقليدية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر نحو مناطق جديدة، يتأكد وجود تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات الأمنية بالمنطقة. وتؤكد تقارير دولية حديثة أن منطقة الساحل أصبحت اليوم من أخطر بؤر الإرهاب في العالم، حيث سجّلت أعلى معدلات الهجمات والضحايا، مع تزايد استهداف المدنيين واتساع نطاق العنف العابر للحدود.
ويعكس هذا الواقع هشاشة الأوضاع الأمنية وتراجع قدرة الدول المعنية على احتواء الجماعات المسلحة، في ظل تعقيدات سياسية وانقلابات عسكرية متتالية أضعفت التنسيق الإقليمي والدولي.
وأمام هذا المشهد، تتجه دول الساحل إلى إعادة صياغة استراتيجياتها الأمنية، من خلال تعزيز التحالفات العسكرية الإقليمية وتكثيف العمليات المشتركة لمواجهة الجماعات المسلحة، في وقت تتباين فيه المقاربات الدولية بشأن سبل التعاطي مع الأزمة.
وبين التحذيرات المتصاعدة من عواصم غربية وقلق متزايد لدى دول الجوار، يظل الساحل الإفريقي بؤرة توتر مفتوحة على سيناريوهات أمنية معقّدة، تنعكس تداعياتها على الاستقرار الإقليمي ككل.
وتكشف التطورات الأخيرة من هجوم مطار نيامي، إلى تسلّح مالي وضرباتها الجوية، عن مرحلة جديدة من التعقيد في مشهد الساحل، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع رهانات التعاون الإقليمي.
وبين تحذيرات أفريكوم وتحركات العواصم المعنية، يبقى الرهان الأكبر على بناء استجابة جماعية دائمة تُوازن بين الحسم الأمني ومعالجة جذور الهشاشة، منعًا لانزلاق أوسع قد يطال عمق غرب إفريقيا والسواحل الجنوبية.
توسّع مقلق في نشاط الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي

تعليقات الزوار
لا تعليقات