يمر شتاء ثالث على القوات في غزة ومقاتلو لواء الاحتياط ألكسندروني يشغلون الاستحكام، على تلة من 70 متراً تفصل بين القاعدة و”كيبوتس ناحل عوز” وبين الأحياء الشرقية من مدينة غزة- الشجاعية ودرج التفاح. من هنا يبرز وجه نوعاما ليفي، إحدى مجندات الرقابة اللواتي اختطفن في 7 أكتوبر من موقع “ناحل عوز”.
يجلس داخل الموقع المحصن مقاتل احتياط، من خريجي غولاني، الذي بدأت الحرب منه تبتعد منه: اجتاز المناورة في خدمته النظامية. “قاتلت غير بعيد من هنا، في جباليا. ونقضي فترات عديدة في المواقع. البيوت أمامنا تبدو فارغة ومهجورة، لكن هذا مجرد وهم؛ لأن حماس هناك ترصدنا”، هكذا يصف الوضع وهو يحمل مدفع “ماغ” يبرز من الموقع عبر الفتحة التي تطل على الخرائب، حتى الخط الأصفر. كانت ظهيرة أمس ساخنة وملبدة، وكانت رطوبة بحر غزة تملأ الاستحكام رغم ابتعاد الشاطئ عنا 7 – 8 كيلومترات، وتتوسط بيننا أحياء مثل الزيتون والشيخ عجلين.
ويتحمل الرطوبة نائب قائد اللواء المقدم “ش”، وقائد الكتيبة المقدم “ي”: فهما يرتديان ملابس عسكرية وخوذات ثقيلة يتصبب منها العرق في منتصف شباط لتشويش صورهم فلا يلتقطها المراسلون بوضوح. رغم أن الحرب انتهت قبل ثلاثة أشهر ونصف، لكن الجنود يخشون اعتقالهم على جرائم حرب إذا ما غادروا البلاد. “هذه مرحلة انتقالية فقط، لم تنته الحرب”، يوضح نائب قائد اللواء وقائد الكتيبة لديه، فهنا أقل من شهر (ومن بداية الحرب في الجولة السادسة، معظمهم في الجبهة الشمالية التي ينتمي إليها اللواء)، يشير إلى ما كان إشكالياً قوله في بداية الحرب: “كتيبتي سوّت كل المباني مع الأرض. كل شيء على الأرض مثلما ترى أمام الاستحكام. عملياً، يبدأ الخط الأصفر حيث تنتهي التسوية مع الأرض، وخط المباني الأول أمامنا، حتى وإن كانت هذه المباني متضررة حقاً”.
نسمع الآن إطلاق نار من سلاح خفيف يخرق صمت وقف النار، من موقع عسكري إسرائيلي على شمالنا. لا أحد يتأثر، ونائب قائد اللواء يقول بأنها مناورة أو نار يطلقها المقاتلون بين الحين والآخر نحو نقاط مشبوهة كي “يوقظوا الميدان”.
عملياً، يتبين مع مرور الساعات أن مخربا أرسلته حماس إلى الخط الأصفر. سيرد الجيش الإسرائيلي أيضاً على هذا الخرق قبل المساء، خرق آخر في محاولة لتصفية ناشط إرهاب في شقة في عمق مدينة غزة. “الجمعة، أرسلوا إلى هنا ناشطاً يحمل “بلطة” لكننا صفيناه أيضاً. في الأسبوع الماضي، أطلقوا النار وأصابوا قائد سريتنا الذي كان يحرس أشغال إقامة العائق بجروح خطيرة، من مسافة قصيرة، لكننا دافعنا على الفور وصفيناهم”، ويشدد نائب القائد: “التحدي الأكبر كقادة هو التآكل والحاجة إلى الإبقاء على التأهب العملياتي لدى المقاتلين. إذا اكتشفنا راصداً غير مسلح وفي منطقتهم، أو مسلحين في العمق الذي نراه، عندها لا نطلق النار؛ لأن هذا هو الاتفاق”.
مقاتلو قائد الكتيبة مشغولون في تحصين الخط الأصفر. المكعبات الصفراء التي ترسمه لا ترى من استحكام الجيش الإسرائيلي، ليس بسبب انعدام الرؤية أمس؛ فالأنقاض وتلة الـ 40 متراً التي بين الشجاعية والزيتون تشوش مدى رؤية العلامات التي بسطها الجيش الإسرائيلي، لكن الجيش لا يكتفي بذلك. ففي هذه الأيام، ثمة قوات في حملة هندسية كبيرة لتحصين الخط الأصفر بقناة طويلة وعميقة حفرت على طوله، تشبه مشروع “شرق جديد” أقيم قبل نحو سنة في منطقة الفصل في الجولان السوري، الذي احتله الجيش الإسرائيلي بلا معركة. يدور الحديث عن قناة تحفرها جرافات الجيش الإسرائيلي في الخط الأصفر، ومن فوقها تلة تضيف ارتفاعات لعدة أمتار أخرى. الهدف: تشويش حتى منع اجتياز مركبات حماس التي قد تمكنهم من الهجوم بها في اتجاه إسرائيل. يروي الضباط هنا بأنها قناة ضد اجتياز الدراجات النارية وليس فقط “تندرات” النخبة.
“حماس أصبحت مثل قوة “الرضوان” التابعة لحزب الله. تضررت بشدة وانسحبت إلى الوراء، لكنها لا تزال هناك ولم تتخل عن نواياها”. يشدد نائب القائد، ويضيف: “نستعد هندسياً، ونواصل العثور على الأنفاق التي لا تنتهي هنا”.

تعليقات الزوار
لا تعليقات