أخبار عاجلة

قوات حفتر تعلن سقوط قتلى وجرحى وأسرى من بين صفوفها في هجوم «معبر التوم»

فتحت التطورات الأمنية التي شهدها الجنوب الليبي خلال الأيام الماضية فصلا جديدا من التوتر على الشريط الحدودي، بعد هجوم استهدف مواقع تتمركز بها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر قرب منفذ التوم الحدودي مع النيجر، وسط تضارب في الروايات حول هوية المهاجمين وحجم الخسائر، وتزايد المخاوف من أن تتحول المعابر الجنوبية إلى ساحة مفتوحة للصدام بين تشكيلات محلية وشبكات تهريب عابرة للحدود، في وقت لا تزال فيه البلاد تعيش انقساما سياسيا وأمنيا يحد من قدرة المؤسسات على ضبط المشهد وتأمين المناطق الحساسة، ويغذي حالة عدم اليقين في مناطق الأطراف التي تعاني أصلا من تدهور الخدمات ونقص الإمدادات وارتفاع كلفة المعيشة.
وأصدرت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بيانا أدانت فيه ما وصفته بالهجوم الجبان الذي استهدف منذ بداية الأسبوع الماضي منفذ التوم الحدودي، وقالت إن مجموعات وصفتها بالمرتزقة والعصابات الإرهابية الخارجة عن القانون نفذت الاعتداء في الساعات الأولى من فجر يوم السبت الموافق 31 كانون الثاني/يناير 2026، عبر هجوم متزامن على ثلاث نقاط حدودية هي منفذ التوم ونقطة وادي بغزارة ونقطة السالفادور الواقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات تابعة لركن حرس الحدود، مؤكدة أن الهجوم أسفر عن سقوط ثلاثة قتلى من منتسبيها وإصابة آخرين، إضافة إلى وقوع عدد من الأسرى أثناء تأدية مهام حماية الحدود وملاحقة أنشطة التهريب والجريمة المنظمة.
وذكر البيان أن هذه العصابات كانت قد تلقت خلال الفترة الماضية ضربات وصفها بالموجعة، بعد أن تمكنت قوات شرق ليبيا من قطع طرق الإمداد والتهريب والحد من تحركات شبكات الجريمة المنظمة على مسارات معروفة في عمق الصحراء، معتبرا أن الاعتداء يأتي كمحاولة للرد على تلك الإجراءات ودفعا من جهات معادية تسعى إلى زعزعة أمن البلاد واستقرارها، وأضافت القيادة العامة أن قواتها تمكنت من إعادة تأمين المواقع المستهدفة بالكامل، وأنها تواصل حاليا عمليات التمشيط والملاحقة، بينما أشارت معلومات أولية إلى فرار العناصر المهاجمة باتجاه داخل حدود دولتي النيجر وتشاد، مع استمرار عمليات تحديد مواقعهم والتعامل معهم وفق ما يقتضيه الموقف.
وتزامن البيان العسكري مع تداول مقطع فيديو نُشر يوم الأول من شباط /فبراير الجاري، ظهر فيه متحدث باسم ما يعرفون بثوار التبو، معلنا نجاح ما وصفه بعملية عسكرية نوعية نُفذت في اليوم السابق، قال إنها استهدفت مواقع يُشتبه في ضلوعها بأنشطة تهريب وفساد في الجنوب الليبي، وذكر المتحدث أن القوة المنفذة أسرت عددا من أفراد القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر، واتهم تلك القوات بالضلوع في شبكات تهريب، موجها ما وصفه بتحذير أخير لكل من يشارك في تهريب السلع والوقود والمواد التموينية.
وتضمن حديث المتحدث تهديدا بالتعامل بحزم مع أي مركبة تُستخدم في التهريب بما في ذلك استهدافها وتدميرها، إلى جانب طرد أي نقاط أمنية اتهمها بالتواطؤ مع المهربين، وهو خطاب يعكس تصعيدا جديدا في ملف بات يمثل إحدى أبرز بؤر الصراع في الجنوب، حيث تتحول الحدود في كثير من الأحيان إلى مساحة تنازع على الموارد ومسارات الإمداد بدل أن تكون بوابة رسمية للتجارة والتنقل، كما يتداخل هذا الملف مع نشاط الهجرة غير النظامية وانتشار السلاح وبروز اقتصاد مواز يفرض نفسه بقوة على حياة السكان في مناطق نائية تعاني من ضعف التنمية وتراجع الدور الحكومي.
وتأتي هذه التطورات امتدادا لاشتباكات معبر التوم التي اندلعت السبت بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر ومجموعة مسلحة قالت إنها من أبناء الجنوب وتطلق على نفسها ثوار الجنوب، إذ أعلنت المجموعة المعارضة أنها سيطرت لساعات على النقاط الحدودية مع النيجر وأسرت أفرادا من قوات شرق ليبيا قبل أن تعلن انسحابها، في حين قالت قوات حفتر إنها استعادت السيطرة على المعبر لاحقا وبدأت عمليات تمشيط واسعة في محيطه. وبين الروايتين بقيت مؤشرات التوتر متصاعدة في منطقة طالما شكلت نقطة تماس حساسة بين مصالح اقتصادية غير شرعية واعتبارات أمنية معقدة تتجاوز الحدود الليبية إلى محيط إقليمي مضطرب.
وبينما يركز الخطاب المحلي على التهريب كسبب مباشر للاشتباكات، تطرح هذه الأحداث أيضا تساؤلات حول طبيعة ارتباط بعض التشكيلات المسلحة في الجنوب الليبي، بما فيها مجموعات من التبو، بجماعات معارضة مسلحة تشادية، إذ تشير تقارير دولية ومتابعات أممية إلى وجود تداخلات بين جماعات مسلحة تتحرك في هذا النطاق الحدودي، من بينها جبهة التغيير والوفاق في تشاد FACT التي تأسست عام 2016 بقيادة محمد مهدي علي، وتُصنف كحركة معارضة مسلحة للحكومة التشادية، وقد نفذت عمليات داخل تشاد، من أبرزها الهجوم الذي سبق وفاة الرئيس إدريس ديبي عام 2021 بعد إصابته في نيسان/أبريل من ذلك العام.
وتفيد تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا بأن جماعات مسلحة تشادية بينها FACT أقامت في فترات سابقة قواعد ومعسكرات داخل جنوب ليبيا، خاصة في مناطق الجفرة وعلى مقربة من الحدود الليبية التشادية، مستفيدة من هشاشة السيطرة الأمنية واتساع الرقعة الصحراوية. ورغم أن هذه التقارير لا تتحدث عن تبعية تنظيمية مباشرة بين ما يعرف بثوار الجنوب والمعارضة التشادية، فإنها تشير إلى تشابك قبلي وعسكري عابر للحدود، ضمن ساحة إقليمية أوسع للصراع في المثلث الحدودي بين ليبيا وتشاد والنيجر، حيث يصعب الفصل بين التحالفات المرحلية وتقاطعات المصالح ومسارات التهريب والتمويل.
وفي خلفية إضافية، يرى مراقبون أن العلاقة بين بعض تشكيلات الجنوب وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر مرت بتحولات حادة خلال السنوات الماضية، إذ شاركت مجموعات جنوبية بينها أفراد من التبو إلى جانب مجموعات تشادية مسلحة في القتال ضمن صفوف قوات حفتر خلال حرب طرابلس عامي 2019 و2020، وفق ما وثقته تقارير أممية، غير أن هذه التحالفات بقيت في كثير من الأحيان ذات طابع مرحلي فرضته ظروف الحرب ولم تستند إلى اندماج مؤسسي طويل الأمد داخل بنية القيادة العامة. ومع توقف الحرب وتغير موازين القوى، بدأت تظهر توترات متزايدة في الجنوب نتيجة إعادة ترتيب النفوذ، ما أدى إلى تفكك بعض التحالفات السابقة وعودة أنماط من الصدام غير المباشر حول السيطرة على النقاط الحيوية.
وتعكس اشتباكات التوم مجددا هشاشة الجنوب الليبي بوصفه ساحة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والأمنية، حيث يؤدي تراجع الخدمات ونقص الوقود وارتفاع الأسعار إلى تنامي الاحتقان الاجتماعي، بينما تتحول المعابر إلى نقاط صراع بسبب أهميتها في حركة التجارة والعبور وارتباطها بملف الهجرة غير النظامية والتهريب، ويزيد ذلك من تعقيد المشهد في ظل الانقسام السياسي ووجود حكومتين متنافستين، الأولى هي حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دوليا، والأخرى حكومة مكلفة من مجلس النواب في بنغازي برئاسة أسامة حماد، في وقت يظل الجنوب الحلقة الأكثر هشاشة بسبب اتساع الجغرافيا وضعف التنمية وتشابك النفوذ المحلي والإقليمي.
وبينما تؤكد قوات شرق ليبيا أنها أعادت السيطرة على المواقع المستهدفة وتواصل ملاحقة المهاجمين، ترى مصادر متابعة أن الأزمة أعمق من حادثة عابرة، إذ ترتبط ببنية معقدة من المصالح المتداخلة على الحدود الجنوبية، ما يجعل احتمالات تكرار المواجهات قائمة إذا لم تُبن ترتيبات أمنية أكثر تماسكا تشمل ضبط المعابر وتفكيك شبكات التهريب وتخفيف العبء المعيشي عن السكان، إلى جانب توفير مسار سياسي قادر على تقليص الفراغ المؤسسي الذي يسمح بتحول الأطراف إلى ساحات تنازع مفتوحة خارج قدرة الدولة على الضبط والاحتواء.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات