أخبار عاجلة

رواية “هوارية” تشعل الجدل في الجزائر بسبب مقاطع “إباحية”

لم تهدأ العاصفة التي أثارتها رواية “هوّارية” للروائية والمترجمة إنعام بيوض، رغم مرور أسبوع على إعلان فوزها بجائزة آسيا جبار، وهي من أهم الجوائز الأدبية في الجزائر، استُحدثت تخليداً لاسم واحدة من أهم رائدات الأدب الفرنكوفوني في البلاد.

وسبب الجدل المثار حول “هوارية”، وهو اسم فتاة في الغرب الجزائري، أن صفحات منها انتشرت في مواقع التواصل، ليكتشف الجزائريون على لسان شخوص الرواية لغة مليئة بالإيحاءات الجنسية والكلام الفاحش المحظور ترديده في الفضاء العام، ما أثار صدمة لدى الكثيرين من غير المطلعين على عوالم الأدب وما يحويه من نقل للواقع كما هو، وحتى حفيظة بعض المثقفين الذين رأوا في الرواية لغة غارقة في الابتذال والشوارعية في مستوياتها الدنيا.

وتسرد الرواية معاناة البطلة مع ظروف الحياة القاسية في دروب مدينة وهران الشعبية، واقتحامها للعوالم المحظورة، ومواجهتها للبشر بكل أصنافهم، في أحلك فترة عاشتها الجزائر “العشرية السوداء” (1990-2000)، وهي تصف، في جزء منها، وهران الجميلة المليئة بالتناقضات، والتي تختزن ثقافة شعبية هائلة صنعها تعاقبُ الحضارات على مدينة شهدت مرور الإسبان والفرنسيين والعثمانيين، وظلّت دائماً معتزّة بشخصيتها الجزائرية الخالصة.

جمل بذيئة وإيحاءات جنسية

وعبّرت سهام بوغرارة عن استيائها من فوز هذه الرواية، مع استعراض مقاطع صادمة منها. وقالت: “لهذه الدرجة الأدب أصبح فضاء إباحياً في الجزائر. كل من دعم ونشر أن الرواية وصاحبتها قامة إبداعية وأكاديمية هو يدعم الرذيلة”.

وذكرت أن منح الجائزة لهذه الرواية “ما هو إلا دليل على عدم كفاءة دار النشر أولاً، اللجنة التي راجعت العمل ثانياً، القائمين على تنظيم الجائزة ثالثاً، أعضاء اللجنة والمنظمين واحداً واحداً، يضاف إليهم نقاد الساحة الأدبية، ومنه المشكل ليس في الرواية، المشكل كيف وصلت هذه الرواية إلى ذلك المقام.. الساحة الأدبية فيها خلل أكبر مما نتخيل، والرواية الفائزة أكبر دليل على هذا”.

وفي نقده لاختيار الجائزة، كتب عبد العزيز تويقر أن “هذا المنحى في الكتابة الروائية، الذي يعتمد “صناعة الصدمة “عبر البذاءة، لم يكن نتاج رواية “هوارية”، فهو مندس في الأدب الجزائري عموماً، وبطرق مختلفة وبحِدَدٍ متباينة، رغم أن عدداً كبيراً من الروائيين الجزائريين عملوا على نقل الواقع عبر تهذيب اللفظ، خاصة في مجتمع لا يقبل بالتوظيف الفاضح للغة المواخير والألفاظ السوقية والشوارعية في الفضاء العام، ولا يمكن أن يُوجِد لذلك مبرراً أدبياً مقنعاً، ولا يمكن إلا أن يكون استثماراً واضحاً في لغة الظلام من أجل الشهرة و جلب الانتباه”.

عكس هذه النظرة، يقول الروائي والصحافي محمد علاوة حاجي إن انتقاد الجائزة ولجنة التحكيم أمرٌ مشروع، غير أن “التهجُّم على الكاتبة والفنّانة التشكيلية إنعام بيّوض وروايتها (الفائزة في الدورة السابعة)، فإنّما يقع في سياقٍ مختلف تماماً؛ إذ ينبغي أن يكون رفضُ محاكَمة النصوص تحت ذرائع أخلاقية أمراً مرفوضاً بالمطلق، بشكل مبدئي، وبالدرجة الأُولى من الكتّاب. أمّا أنْ يركب الكتّاب أنفسُهم حملةً يخوضها الدهماء على طريقة محاكم التفتيش، لأسباب مختلفة، فهذا ليس أكثر من سلوكٍ غير أخلاقي”.

وأضاف الصحفي: “حين أكتب بأنّ هذه الحالة (التي عشتُها بحذافيرها قبل بضع سنوات) تعكسُ جهلاً يتدثّر بالتديُّن والأخلاق؛ فهذا ليس للحجْر على آراء الناس وأذواقهم؛ فمِن حقّ الجميع أن يقرأ نوعية الأدب التي يُريد (لنُلاحِظ أنّنا نتحدّث عن كتابٍ تفتحه بمحض إرادتك وتقرأه بمفردك)، وإنّما للتذكير بأنّ الفنّ لا يُقرأ سوى بمسطرة فنّية، وبأنّ من يختلقون هذه المعارك الصغيرة هُم غالباً أشخاصٌ لا يقرأون، بل إنّ فيهم من ينتقد ورود عبارات نابية في نصٍّ أدبي باستخدام شتائم وعبارات نابية!”.

واعتبر أنه يجب التذكر، عند مناقشة خيارات لجنة التحكيم، أنّ “الجوائز الفنّية لا تخضع لمسطرة دقيقة، بل لمعايير يلتقي فيها الموضوعي بالذاتي، ولو قدّمنا عشرة نصوصٍ إلى عشر لجان منفصلة ومشهود لها بالكفاءة والنزاهة، وطلبنا منها أن تختار الأفضل، لما اختارت جميعُ اللجان العنوانَ نفسه”.

وختم بالقول: “أمّا بالنسبة إليّ، فأبصم بالعشرة على قرار تتّخذه لجنةُ تحكيمٍ يترأسها عبد الحميد بورايو، وتضمّ مِن بين مَن تضمّهم آمنة بلعلى، ولو كان ما اختارته للفوز بالجائزة كرّاسَ محاولات لتلميذ في المدرسة الابتدائية!”.

دفاع لجنة التحكيم

هذا النقاش دفع عضو لجنة تحكيم الجائزة آمنة بلعلى للتدخل والرد، مؤكدة أن “اختيار رواية “هوارية” لإنعام بيوض استند إلى المعايير المعلن عنها، والتي تأخذ بعين الاعتبار الالتزام بالثوابت الوطنية، والتمكّن من بناء العالم الروائي بلغة جيدة ومعبّرة ورؤية مختلفة وموقف يؤطر عناصر العمل الروائي” .

وذكرت الناقدة أن “الروائية استطاعت أن تحقق هذه المعايير وتكتب نصاً مختلفاً تناولَ مرحلة حرجة من تاريخ الجزائر، من خلال رسم يوميات فئة اجتماعية تعيش الفقر والتهميش”.

وعلى ذلك، تقول: “رأت اللجنة بأن هذه الرواية محكمة في بنائها السردي ورسم شخصياتها والمكان المتعلق بأحد أحياء وهران، الغارق في الآفات الاجتماعية والعوز المادي، الذي تم استغلاله من أجل إثارة الأزمة التي عرفتها الجزائر في العشرية السوداء- سنوات الإرهاب في الجزائر”.

ولقد أبدت الروائية، وفق آمنة بلعلى، “تمكّناً في تقديم مجتمع الرواية، وموقفاً متزناً تجاوزت فيه ما كان يثار في الرواية الجزائرية من مواقف إيديولوجية، فكتبت رواية جزائرية حتى النخاع، رواية الواقع الجزائري بامتياز في أدق تفاصيله من خلال الفئة الاجتماعية المهمشة التي جعلتها موضوعاً لروايتها، وأكدت على استغلالها والمتاجرة بها باسم إيديولوجيات أثبتت انتهازيتها، وفي مقدمتها إيديولوجية التطرف الذي اتخذ أصحابه من الدين قناعاً للهيمنة على الأسرة الجزائرية والمرأة، ولذلك كانت أغلب الضحايا في الرواية من النساء ومن الشباب”.

وتابعت عضو لجنة التحكيم: “لقد أنطَقَتْ الروائية الشخصيات بلغتها كلما اقتضى الموقف ذلك، ومن أجل ذلك جاءت بعض الحوارات باللغة الدارجة، الأمر الذي أكسب الرواية بعداً بوليفونياً قلّما نجده في الرواية الجزائرية. واستعمال الدارجة في الرواية العربية، كروايات نجيب محفوظ، هو أحد الرهانات التي يقيم بها نجاح الروايات التي ترتقي إلى العالمية، وتكون لسان حال مجتمعها. وعلى الرغم من ذلك، هناك نماذج متزنة رسمتْها الروايةُ، كالطبيب والشاب الذي يسعى إلى تغيير وضعيته بالعلم”.

وحول الجدل الذي خلّفته بعض جمل الرواية، قالت الناقدة إن “إثارة الجدل الفيسبوكي العقيم، والحكم على رواية من خلال خمس جمل اقتضتها حوارات الشخصيات، لا يعدو أن يكون سوى متنفسٍ إيديولوجي لأعداء الفن، الذين يريدون أن يكتب الروائي أدباً منافقاً، ويبدو أن الهدف منه التشويش على كل نشاط ثقافي فاعل وتقنين الإبداع”.

وأردفت: “إن الجمل التي حاكموا من خلالها رواية بكاملها، واعتبروها خادشة للحياء، نجد مثلها، بل أكثر منها في الرواية الجزائرية، منذ الطاهر وطار، وكذلك نجدها في الرواية العربية والعالمية، وفي المسرح والشعر والفن التشكيلي، لأن السياق الفني يقتضيها”.

وفي اعتقاد بلعلى، فإن “هؤلاء الذين يثيرون هذا الشغب المجاني لا علاقة لهم بالرواية ولا بالنقد الروائي، وإلا كيف يمكن أن نحاكم رواية من خلال جمل قالتها شخصية، وكيف يمكن لمن يدّعي أنها رواية مخلّة بالحياء، وبأنها رواية إيروتيكية، وهو لم يقرأ سوى بضع صفحات؟”.

وانتهت إلى أن “هؤلاء الذين يدّعون الدفاع عن القيم بإدانة شخصية متخيلة هم يدافعون عن إيديولوجيات ضد الفن، ولقد تأكّدَ، من خلال هذا اللغط، أن المثقف المنافق لا يريد إلا أدباً منافقاً”.

الأدب المنافق

وبدا أن جملة “الأدب المنافق”، التي أوردتْها عضوُ لجنة التحكيم، استفزّت الكاتب نذير طيار، الذي ردّ عليها قائلاً: “إن الذين يدافعون عن دور القيم في الفن، لا يدعون بالضرورة إلى أدب منافق، إذ من الممكن، بالمقابل، وصْف من يدعون إلى تحرير الفن من كل القيم بدفاعهم عن أدب فاجر”.

وأبرزَ أن “وجود الحثالة في المجتمع لا يبيح للروائي أن يصبح من الحثالة، عبر تبنّيه قاموس بيوت الدعارة، ولو في صفحات قليلة”.

وأضاف أنه “لا يجوز لأحد تبرير ذلك باسم الفن الذي يعلو على جميع الأخلاق والأديان (كما يزعمون)، ولا باسم الواقعية السحرية، ولا باسم الصدق الواقعي، ولا باسم الدراسة الأكاديمية، ولا باسم تصوير الهامش تصويراً دقيقاً وتسليط الضوء عليه، ولا باسم وجود روايات كثيرة أسست لذلك، ولا باسم أبي نواس والسيوطي، وبعض كتب الدعارة التاريخية”.

واسترسل الكاتب: “أعرف جيداً أن ما كتبته إنعام بيوض قد يبدو تسبيحاً بالنظر إلى صفحات طويلة من إحدى روايات بوجدرة (أحد أشهر الروائيين الجزائريين)، على سبيل المثال. لهذا لا أراها رواية إباحية أو إيروتيكية. ومن يقرأ الروايات منذ عقود، لن يتفاجأ بما ورد في رواية “هوارية” لإنعام بيوض”.

بالمقابل، يتابع نذير طيار: “لا أتصوّر روائياً، عفيف اللسان في حياته اليومية، الأسرية والاجتماعية، يشحن روايته بكلمات بذيئة قذرة، مدّعياً أن الكلام ليس له بل لبطل الرواية”.

ورغم ما أثاره عملها من صخب كبير، لم تُدلِ بعد الكاتبة إنعام بيوض برأيها حول ما قيل عنها، في وقت رأى آخرون هذا الجدل صحياً من ناحية أنه يدور حول عمل روائي، قد يشجع على اقتحام عالم القراءة والأدب، بدل الانغماس في التفاهة التي باتت تغرق فيها مواقع التواصل الاجتماعي.

اضف تعليق

شارك

تعليقات الزوار

ع. ب. ش

هوارية وشيزوفرينيا المجتمع

مجتمعاتنا التي نسميها عربية تعاني من الشيزوفرينيا، ورواية هوارية تشخيص دقيق لهذا العضال المتجذر في حياتنا.. الأديب مرآة حقيقية لواقع المجتمع وما يختلج بداخله من متناقضات، والأديب هو الكفيل بمعالجة أعطاب المجتمع حين يوريه وجهه في المرآة، وغالبا ما يصدم المجتمع حين يرى حقيقته. فيتغنى بالأخلاق المفتقدة ويصب جام غضبه على الأديب كما هو الحال مع صاحبة هوارية. والحقيقة أن دار النشر كان لها كامل الشجاعة لتنشر هذا العمل الروائي الذي يستحق القراءة.. أما حراس معبد الأخلاق فهم أحوج الناس إلى معرفة ماهية الأخلاق.