أخبار عاجلة

باريس تستقبل النمروش وخالد حفتر وسط مساع لتوحيد المؤسسة العسكرية

شهدت العاصمة الفرنسية باريس تحركات عسكرية ودبلوماسية ليبية متزامنة، تمثلت في زيارة رئيس الأركان العامة التابع لحكومة الوحدة الوطنية، الفريق أول صلاح الدين النمروش، وخالد حفتر، نجل قائد القوات المسيطرة على شرق ليبيا خليفة حفتر، وإجرائهما مباحثات مع مسؤولين فرنسيين، في وقت يستعد فيه مجلس الأمن الدولي لمناقشة تطورات تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية بشأن الجرائم المرتكبة في ليبيا، وسط استمرار الانقسام السياسي والعسكري وتعثر جهود توحيد المؤسسات.
واستقبل رئيس أركان الجيوش الفرنسية، الفريق أول فابيان ماندون، النمروش لدى وصوله إلى فرنسا، بحضور عدد من المسؤولين والضباط الفرنسيين. وحسب رئاسة الأركان العامة في طرابلس، تناول اللقاء العلاقات الثنائية وعددا من الملفات ذات الاهتمام المشترك، في إطار المشاورات العسكرية بين البلدين.
وفي تحرك مواز، التقى خالد حفتر، الذي يتولى رئاسة أركان القوات التابعة لوالده في شرق ليبيا، رئيس الأركان الخاص للرئيس الفرنسي الفريق فانسن جيرو، ومستشار الرئيس الفرنسي ومبعوثه الشخصي إلى ليبيا بول سولير، خلال اجتماع عقد في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس.
ووفقا لما أعلنه مكتب إعلام قوات حفتر، تناول الاجتماع مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، والتطورات الأمنية في البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب تعزيز التعاون العسكري والتنسيق في مكافحة الإرهاب والتطرف والهجرة غير النظامية.
وجاءت الزيارتان وسط حديث عن ترتيبات فرنسية لجمع النمروش وخالد حفتر في مباحثات تتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، غير أن البيانات الرسمية الصادرة بشأن اللقاءات لم تؤكد انعقاد اجتماع مشترك بين الطرفين أو التوصل إلى تفاهمات محددة بشأن هذا الملف.
وتعيد التحركات في باريس ملف توحيد المؤسسة العسكرية إلى الواجهة، بعد سنوات من المحادثات التي جرت برعاية الأمم المتحدة، خصوصا عبر اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، التي انبثقت عن مسار برلين وأسهمت في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020، دون أن تنجح الجهود اللاحقة في إنهاء الانقسام العسكري بصورة نهائية.
وتحمل اللقاءات الفرنسية دلالات سياسية تتجاوز التعاون العسكري المعلن، إذ تعكس استمرار تعامل العواصم الأوروبية مع مراكز القوة المتنافسة في ليبيا، في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة. كما تبرز اهتمام باريس بالملف الأمني الليبي، ارتباطا بمصالحها في البحر المتوسط ومنطقة الساحل الأفريقي، ولا سيما قضايا الهجرة والإرهاب وأمن الحدود.
ويطرح استقبال مسؤولين عسكريين من طرفي الانقسام تساؤلات بشأن قدرة التحركات الخارجية على تحقيق تقدم فعلي في مسار توحيد الجيش، خصوصا أن الخلافات السياسية المتعلقة بشرعية المؤسسات وتوزيع الصلاحيات الأمنية والعسكرية لا تزال قائمة. كما أن أي تفاهمات محتملة تظل مرتبطة بوجود توافق سياسي أوسع يضمن خضوع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية موحدة.
وتأتي هذه التطورات بعد أيام من قرار مجلس الأمن الدولي تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2027، بموجب القرار 2835، الذي حظي بتأييد 13 عضوا، فيما امتنعت روسيا واليونان عن التصويت. وجدد المجلس دعمه للجهود الأممية الرامية إلى دفع العملية السياسية ومعالجة الانقسام المؤسسي الذي تعانيه البلاد.
وفي سياق دولي متصل، يستعد مجلس الأمن لعقد جلسة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري للاستماع إلى إحاطة نصف سنوية بشأن أنشطة المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا، وسط استمرار المطالبات بتوقيف المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتسليمهم إلى المحكمة.
ووفقا للتقرير الشهري الصادر عن موقع «تقرير مجلس الأمن»، لا يزال ضمان تعاون السلطات الليبية والدول المعنية في تنفيذ مذكرات التوقيف يمثل أحد أبرز التحديات أمام جهود المساءلة، مع احتمال إصدار موقف مشترك من الدول الأعضاء المنضمة إلى نظام روما الأساسي لتأكيد دعم التحقيقات والمطالبة بتسليم المطلوبين.
وسلط التقرير الضوء على قضية خالد محمد علي الهيشري، أحد كبار المسؤولين السابقين في سجن معيتيقة بطرابلس، الذي سلمته ألمانيا إلى المحكمة في ديسمبر/كانون الأول 2025، بعد توقيفه بموجب مذكرة اعتقال دولية.
وكانت المحكمة قد أكدت في يوليو/تموز الماضي جميع التهم الموجهة إلى الهيشري، والمتعلقة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأحالته إلى المحاكمة التي تقرر أن تبدأ في الرابع من مايو/أيار 2027، في واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بالانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الليبية.
كما يتواصل الجدل بشأن قضية أسامة المصري نجيم، المطلوب للمحكمة على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل مرافق احتجاز في طرابلس، بعدما أعادته السلطات الإيطالية إلى ليبيا مطلع عام 2025 عقب توقيفه في تورينو، وهو ما أثار خلافا بشأن التزامات روما بالتعاون مع المحكمة. وكانت المحكمة قد أكدت، في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، اختصاصها بالنظر في القضية، وأرجأت الفصل في مقبوليتها، مانحة ليبيا مهلة حتى 29 يناير/كانون الثاني 2027 لتقديم ردها. وسبقت ذلك إجراءات أمريكية أعلنت في 30 أكتوبر/تشرين الأول، شملت فرض قيود دخول على نجيم وزوجته، على خلفية اتهامات تتعلق بتعذيب محتجزين وإساءة معاملتهم.
وتتزامن هذه الملفات مع استمرار الخلافات داخل مجلس الأمن بشأن عمل المحكمة الجنائية الدولية، في ظل انتقادات روسية وصينية لأدائها، مقابل دعم أوروبي لجهود المساءلة، فيما زادت العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة من حدة التباينات الدولية بشأن دورها وصلاحياتها.
وتكشف هذه التطورات عن مسارين دوليين متوازيين في التعامل مع الأزمة الليبية؛ أحدهما أمني وعسكري يسعى إلى تعزيز التواصل مع الأطراف المتنافسة واحتواء تداعيات الانقسام، والآخر قضائي يركز على ملاحقة المتهمين بالانتهاكات وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
غير أن التقدم في أي من المسارين يظل مرهونا بمدى استعداد الأطراف الليبية للتعاون مع الجهود الدولية، خصوصا في ظل استمرار الانقسام وغياب مؤسسات موحدة قادرة على تنفيذ الالتزامات السياسية والأمنية والقضائية، وهو ما يبقي فرص التسوية الشاملة مرتبطة بتفاهمات داخلية لم تتبلور حتى الآن.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات