قالت مجلة “ماريان” الفرنسية إن الجزائر قررت، بعد سنوات من التردد والتحفظ، إرسال وحدات من جيشها إلى منطقة الساحل، في خطوة غير مسبوقة منذ عام 1973، تمثل تحولاً لافتاً في عقيدتها الدفاعية القائمة تقليدياً على رفض التدخل العسكري خارج الحدود.
وأوضحت المجلة أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قرر يوم 26 أكتوبر، إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى النيجر، تحت غطاء رسمي يتمثل في “حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة”.
وجاء القرار بعد موافقة غرفتي البرلمان الجزائري، مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني، خلال جلسة مغلقة، على إرسال قوات عسكرية إلى الخارج.
كما أن هذه الموافقة البرلمانية جاءت في أعقاب زيارة وزير الدفاع النيجري إلى الجزائر بأربعة أيام، حيث وقّع الجانبان اتفاقاً للتعاون العسكري، في خطوة تعكس تسارع التقارب الأمني بين البلدين.
هذه الخطوة، التي تُعد سابقة منذ مشاركة الجيش الجزائري في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، لا تقتصر دوافعها على حماية المصالح الاقتصادية، بل ترتبط أيضاً بتدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل، وتصاعد التوتر بين الجزائر والإمارات العربية المتحدة وحلفائها في المنطقة، فضلاً عن حماية الاستثمارات الجزائرية في قطاع المحروقات بالنيجر.
وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال شرحه المبررات أمام البرلمان، قال إن القرار يأتي في ظل “تدهور” الوضع الأمني في المنطقة، مشيراً إلى أن “أمن النيجر هو أيضاً أمن الجزائر”، ومؤكداً أن القوات الجزائرية ستتبنى موقفاً سلمياً، وستكتفي بالدفاع عن الأهداف المحددة لمهمتها.
تغيّر الحسابات الجزائرية في منطقة الساحل
وتساءلت المجلة عما تغير في الموقف الجزائري منذ إدانة الجزائر، في شهر يوليو عام 2023، الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس النيجري السابق محمد بازوم. وفي هذا السياق، نقلت عن أكرم خريف، المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، أن التدخل العسكري الجزائري في النيجر يأتي استجابة لمجموعة من المشكلات التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح خريف أن سلطات نيامي تواجه تحديات أمنية متعددة، إذ يتعين عليها محاربة التنظيمات الجهادية في غرب البلاد وجنوبها الشرقي، بالتوازي مع مراقبة المناطق الشمالية التي تنشط فيها مجموعات مسلحة أخرى.
وأضاف أن الجزائر تشعر بالقلق إزاء تنامي نفوذ القوات التابعة لعائلة حفتر في المناطق الحدودية الليبية، كما تواجه صعوبات متزايدة في الحفاظ على علاقاتها التقليدية مع قيادات الطوارق في مالي، في ظل التقارب بين حركات الأزواد وتنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
أهداف غير معلنة وراء الانتشار العسكري الجزائري
وأشارت المجلة إلى أن الهدف المعلن من المهمة العسكرية الجزائرية يتمثل في تأمين المنشآت الاقتصادية، ولا سيما منشآت شركة “سوناطراك” في النيجر، فضلاً عن حماية مشروع أنبوب الغاز الذي يربط نيجيريا بالجزائر مروراً بالأراضي النيجرية.
لكنها لفتت إلى احتمال وجود أهداف أخرى غير معلنة وراء هذا الانتشار العسكري.
في هذا الإطار، نقلت “ماريان” عن الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني، قوله إن القوات الجزائرية قد تتمركز في القاعدة العسكرية بمنطقة ماداما، شمال النيجر، بالقرب من الحدود الليبية. وتتمتع هذه القاعدة، التي كانت نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية ضمن عملية “برخان”، بموقع استراتيجي يتيح مراقبة مناطق الساحل والمسارات العابرة للحدود، معتبرة أن اختيار هذا الموقع يحمل دلالات سياسية وعسكرية، لا سيما في ظل التوتر القائم بين الجزائر وباريس.
رسالة مباشرة إلى الإمارات وخليفة حفتر
وأكدت المجلة الفرنسية أن التدخل العسكري الجزائري يحمل، إلى جانب أهدافه الأمنية والاقتصادية، رسائل سياسية وعسكرية موجهة إلى الإمارات العربية المتحدة والجنرال الليبي خليفة حفتر؛ مشيرة إلى أن الجزائر تتهم أبوظبي وحفتر بتمويل ومساعدة مجموعات جهادية تنشط في المنطقة، وفقاً لما نقلته عن مصادر دبلوماسية جزائرية.
وأضافت “ماريان” أن الجزائر لم تعد مستعدة للاكتفاء بمراقبة التطورات من بعيد، مستشهدة بتصريحات الرئيس عبد المجيد تبون، مطلع أكتوبر، لوسائل إعلام محلية، عندما قال إن بلاده “لن تكتفي بعد الآن بدور المتفرج”.
وقال الرئيس الجزائري في رسالة موجهة إلى خصم لم يسمّه صراحة، لكن المقصود به أبوظبي، بحسب المجلة: “بما أنكم تستفزون، فسأستخدم أنا أيضاً القوة”.
نهاية سياسة عدم التدخل؟
وأشارت “ماريان” إلى أن القرار الجزائري يمثل تحولا في العقيدة الدفاعية للبلاد، وقطيعة مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الخارجية، الذي التزمت به الجزائر على مدى نحو نصف قرن.
وفي هذا السياق، نقلت المجلة عن الصحافي المتخصص في الشؤون الجيوسياسية عثمان لحياني قوله إن الجزائر باتت تعتبر نفسها أمام حق في اعتماد سياسة أمنية استباقية، في مواجهة ما وصفه بالمناورات الخارجية والهياكل السياسية والأمنية التي تجاوزت الحدود السيادية للدول، وأنشأت كيانات مسلحة وشركات أمنية خاصة.
وأضاف لحياني أن هذه السياسة تهدف إلى منع تفاقم التهديدات الأمنية قبل أن تمتد تداعياتها إلى الأراضي الجزائرية.
وبذلك، ترى المجلة الفرنسية أن إرسال قوات جزائرية إلى النيجر لا يمثل مجرد إجراء لحماية المنشآت الاقتصادية ومشروعات الطاقة، بل يعكس توجهاً جديداً في السياسة الأمنية الجزائرية، يقوم على الانتقال من الاكتفاء بالدفاع عن الحدود إلى التحرك الميداني لمواجهة التهديدات الإقليمية، مع توجيه رسالة واضحة إلى القوى التي ترى الجزائر أنها تسهم في زعزعة استقرار منطقة الساحل وليبيا.

تعليقات الزوار
لا تعليقات