أعلن مجلس النواب الليبي، تثبيت فوزي مصباح أبوخزام محافظا لمصرف ليبيا المركزي، بعد قبول استقالة المحافظ السابق ناجي محمد عيسى، في خطوة تعيد ملف إدارة المؤسسة النقدية إلى واجهة التجاذبات السياسية، وتطرح تساؤلات بشأن مدى توافق إجراءات التعيين مع التفاهمات التي أنهت أزمة المصرف في سبتمبر/أيلول 2024.
ويأتي القرار بعد مسار امتد عدة أشهر منذ إعلان عيسى، في أغسطس/آب الماضي، اعتذاره عن مواصلة مهامه، من دون الكشف عن الأسباب، مكتفيا بالإشارة إلى حساسيتها.
وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة دعاه حينها إلى استمراره في منصبه إلى حين استكمال الإجراءات القانونية والسياسية اللازمة للبت فيها.
وكانت هيئة رئاسة البرلمان قد اتخذت في 22 أكتوبر/تشرين قرارا بقبول الاستقالة مبدئيا، وتكليف أبوخزام، بصفته عضوا في مجلس إدارة المصرف، بتولي مهام المحافظ مؤقتا، إلى حين عرض الاستقالة على المجلس لاتخاذ قرار نهائي بشأنها.
ولا تبدو مسألة تعيين المحافظ الجديد منفصلة عن الخلافات التي رافقت قرار تكليف أبوخزام، إذ برزت مواقف متباينة داخل المجلس الأعلى للدولة بشأن الخطوة، ففي حين اعتبر النائب الأول لرئيسه ناجي مختار علي أن قرار هيئة رئاسة مجلس النواب إجراء أحادي لا تترتب عليه آثار إدارية أو قانونية، وطالب عيسى بالاستمرار في أداء مهامه، أعلن تكالة عدم ممانعته تولي أبوخزام التسيير بصورة مؤقتة، إلى حين التوافق مع البرلمان على تسمية محافظ للمصرف.
ويعكس هذا التباين حساسية الملف، خصوصا أن الموافقة على تولي أبوخزام مهام المحافظ مؤقتا لا تعني بالضرورة وجود توافق مماثل على تثبيته في المنصب بصورة نهائية. ومن هنا، يبرز التساؤل بشأن طبيعة المشاورات التي سبقت تصويت مجلس النواب، ومدى حصول التعيين على موافقة المؤسسات المعنية.
وكان اتفاق سبتمبر/أيلول 2024، الذي جرى برعاية بعثة الأمم المتحدة، قد وضع آلية توافقية لإنهاء أزمة قيادة المصرف، عبر تفاهم بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن اختيار المحافظ ونائبه، على أن يصدر البرلمان قرار التعيين بعد التشاور مع ''الأعلى للدولة''، وفقا للمادة 15 من الاتفاق السياسي الليبي.
وأكدت البعثة الأممية آنذاك أن مجلس النواب صادق بالإجماع على المرشحين بحضور 108 أعضاء، بعد حصولهما على موافقة المجلس الأعلى للدولة بتوقيع 112 عضوا، معتبرة أن التوافق بين المؤسستين كان أساسا لتجاوز أزمة المصرف.
وتنبع أهمية هذا التوافق من التجربة التي عاشتها ليبيا في أغسطس/آب 2024، عندما أدى الخلاف على إقالة المحافظ السابق الصديق الكبير وتعيين بديل له إلى مواجهة بين المؤسسات المتنافسة، وامتد تأثيرها إلى القطاع النفطي، مع إعلان وقف الإنتاج والتصدير في مناطق خاضعة لسلطات شرق البلاد، قبل التوصل إلى تسوية برعاية أممية.
وأظهرت تلك الأزمة مدى ارتباط إدارة المصرف المركزي بالتوازنات السياسية والاقتصادية، باعتباره الجهة المسؤولة عن إدارة احتياطيات النقد الأجنبي، وتنظيم القطاع المصرفي، وإدارة التدفقات المالية المرتبطة بالإيرادات النفطية، فضلا عن دوره في تمويل الإنفاق العام.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خلاف جديد بشأن شرعية تعيين المحافظ قد يتجاوز حدود التنافس على المناصب، ليطال الثقة في المؤسسة النقدية وقدرتها على مواصلة إدارة السياسة المالية والنقدية بعيدا عن الانقسام السياسي.
وتضيف استقالة ناجي عيسى مزيدا من علامات الاستفهام إلى المشهد، خصوصا أنه لم يكشف عن الأسباب التي دفعته إلى مغادرة منصبه، رغم إشارته في مراسلاته إلى أنه سبق أن قدم تقريرا عن أداء مجلس إدارة المصرف خلال الفترة الممتدة من أكتوبر/تشرين الأول 2024 إلى يونيو/حزيران 2026، إلى جانب تقييم للوضع الاقتصادي الليبي.
وفي المقابل، يواجه أبوخزام مهمة الحفاظ على استمرارية عمل المصرف، وتعزيز الثقة في أدائه، وإدارة الملفات المرتبطة بالسياسة النقدية والقطاع المصرفي، في ظل ضرورة تجنب انتقال الخلافات السياسية إلى قرارات المؤسسة.
وتبقى احتمالات إثارة التصويت جدلا سياسيا وقانونيا قائمة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة عودة المواجهة التي شهدتها البلاد في 2024، فالموقف المعلن لرئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بشأن قبول تولي أبوخزام المهام مؤقتا يوفر أرضية للتفاهم، وإن كان لا يحسم مسألة التعيين النهائي.

تعليقات الزوار
لا تعليقات