تسويق الخوف ركيزة أساسية لإبقاء السياسة وأدواتها فاعلة ومؤثرة. كلما ارتفع منسوب الخوف بين الناس زادت أرباح السياسيين وأذرعهم، مادية كانت أو معنوية.
إقبال الناس على استهلاك ما تنتجه السياسة وتُسوّقه عبر الصحافة يكبر في أوقات الحروب والأزمات، المحلية والدولية، التي تهدد حياتهم واستقرارهم الاجتماعي والاقتصادي والنفسي.
في الفترة الحالية، حديث الحرب العالمية الثالثة هو البضاعة المضلة لدى السياسيين والقادة العسكريين في الغرب. لكن دون الجزم بطبيعتها وشكلها. كلام كثير تتناقله وسائل الإعلام بحماس، لكنه لا يحسم هل هي حرب مسرحها العالم كله، أم حرب محدودة تؤثر على العالم برمّته. في كل الأحوال، وبالنظر إلى تداخل الاقتصاد العالمي ومصالح الدول بعضها ببعض، أو ضد بعض، في كل الكرة الأرضية، لم يعد الفرق كبيرا بين حرب «مسرحها العالم» و»محدودة تؤثر على العالم كله» طالما أن نتيجة هذه الحرب واحدة.
المخاوف الأمنية والاضطرابات السياسية والاجتماعية التي أوجدتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في العالم والجوار الإيراني، وقبلها الغزو الروسي لأوكرانيا والتنافس الصيني الأمريكي، تشكل حاليا بيئة مثالية لهذا الخطاب، ومن ثمة دفع الناس إلى استهلاك المنتوج السياسي والإعلامي بكثافة تفوق المألوف في الأوضاع الطبيعية.
وإدراكا منهم لوقع صدمة الشعور بفقدان نعمة الأمان وإقبالهم على شراء بضاعة الخوف، يستغل السياسيون وأذرعهم الظروف الحالية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب وتسجيل نقاط على شعوبهم. لكن هذا لا يلغي أن من الأسباب أيضا حرص الحكومات على أمن شعوبها، وإفراطها في التوقعات.
ينطبق هذا الكلام بنسبة أكبر على الدول الغربية. الحكومة البريطانية تنصح شعبها بتخزين المواد الاستهلاكية بطيئة التلف، من قبيل المياه والأغذية المعلبة والأغطية والبطاريات ومصابيح الإضاءة، والاحتفاظ ببعض السيولة النقدية. المستشار الألماني، فريديريتش ميرتس، خاطب شعبه بالقول «لسنا في حرب بعد، لكننا لم نعد في حالة سلم كما كنا». في السويد وجوارها تضخ الحكومات لشعوبها باستمرار أن حياة الرفاهية والأمان التي نعموا بها في العقود الماضية ولّت إلى غير رجعة، وأن عليهم الاستعداد للأسوأ. التقارير الواردة من فنلندا تشير إلى أن الشعب هناك، الذي لطالما كان وديعا ومسالما، يعيش حالة ذعر لم تخطر له يوما على بال. وليست الدول الغربية الأخرى أفضل حالا.
في جميع الحالات لم تأخذ التحذيرات طابعا رسميا بعد. الحكومات الغربية أن إضفاء الرسمية على نداءات الاستعداد لحرب عالمية سيكون له ثمن سياسي وأمني. أما اقتصاديا فقد يكون الثمن فوضى في الشوارع واقتتالا أمام محلات التجزئة.
تطالع الصحف والمواقع الإخبارية الأوروبية فلا تجد في صفحاتها السياسية أكثر من أخبار الأزمات المقبلة وخطورتها على حياة الناس، مصحوبة بتقارير ونصائح عن كيفية التصرف عندما يحل «اليوم الموعود» وكيف التعايش مع الكارثة بأقل الخسائر والألم. بطبيعة الحال، لا يخلو الأمر من مبالغات ومزايدة في الخيال.
لكن هذا النوع من الخطاب أصبح يفرض أسئلة عاقلة، مثل ألّا أحد يجزم على وجه الدقة بنوع الكارثة المقبلة (التي يعدون بها)، فعن أيّ استعدادات يتحدثون؟
إذا جارينا مضمون ما يقولون وينشرون، هي حرب سيبرانية (غالبا روسية) ستعطل الخدمات الحكومية والأمنية والمصرفية، ما سينعكس شللا في حياة الناس اليومية. وفي فرضية أخرى هي ضربات عسكرية شبه تقليدية تستهدف المنشآت الحيوية مثل خزانات المياه ومحطات الطاقة والمطارات. وفي فرضية ثالثة هي حرب (أو حروب أطراف ثالثة) ستدور في مسارح بعيدة، لكنها تؤثر بشكل مباشر على حياة الناس في كل الكرة الأرضية من خلال تعطل سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة والشحن. فرضية رابعة تتعلق بالمصائب الكونية التي قد يسببها الذكاء الاصطناعي والقائمون عليه. فرضية خامسة تحيل إلى نشر جراثيم من صنع الإنسان تزرع الأوبئة وتصيب الناس بالذعر حتى في بيوتهم، وتُفقدهم الثقة في أقرب المقربين إليهم، كما حدث في فترة كوفيد – 19 قبل ست سنوات.
أيًّا كان نوع الحرب (أو الحروب)، نأتي الآن إلى الاستعداد لها. هنا ينتقل النقاش من الجد ليدخل حيّز النكتة أحيانا. من المعروف أن البنى التحتية، ومن ضمنها البيوت السكنية، في الغرب مصمّمة باتجاه الضيق لتوفير الكلفة والمساحة والطاقة. بعض البيوت بالكاد تكفي البشر والحد الأدنى من الأثاث والمستلزمات. هذا يعني أن التخزين للحرب تصرف غير واقعي لأنه، إن حدث، فلن يجد مكانا يكفي لأكثر من أيام. التخزين بدوره يعني وفرة السلع والسيولة المالية للحصول عليها، لكن المجتمعات الغربية تعاني هذه الأيام من شحٍّ في الاثنين، السلع تقل في الأسواق وأسعارها مرتفعة عندما تتوفر، والسيولة قليلة أو منعدمة لدى فئات اجتماعية واسعة تعيش بالحد الأدنى.
أما إذا وضعنا كل هذه الأسئلة جانبا وافترضنا أن بعض الناس سيتمكنون من إيجاد السلع الأساسية وتخزينها بكفاية، فسيكون عليهم البحث عن حيازة سلاح ناري لحماية أنفسهم من سطو من عجزوا عن التخزين.
هناك طريق للتفاؤل تقوم على رفض الاستسلام لتجار الخوف ومبالغات الخطاب السياسي والإعلامي. في أوروبا تتطلب هذه الطريق فحص فرضية أن روسيا لن تجرؤ على شن حرب شاملة على أوروبا أو جزء منها، لسبب بسيط هو أن روسيا لا تستطيع تحمّل تبعات حرب في القارة مهما كانت إغراءات الفوز فيها كبيرة. وقبل ذلك روسيا بحاجة إلى أوروبا أيضا. السبب الآخر أن روسيا قد ترضى بالوضع الميداني الحالي في أوكرانيا، والمتمثل في احتفاظها على الأراضي التي سيطرت عليها في شرق أوكرانيا منذ 1922. وهو حل من الممكن أن يقبله الأوروبيون للحد من خسائرهم بعد أن أنهكهم الإنفاق على أوكرانيا، ولأنهم لا يعارضونه صراحة.
توفيق رباحي

تعليقات الزوار
لا تعليقات