هذا ما توحي به قناة (CNews) الفرنسية، فمن كثرة مفارقاتها لا ندري: هل هي قناة للهزل أم السياسة؟ ومن لغوها عن الجزائر يتخيّل المشاهد أنها نقلت مكاتبها من ضاحيّة باريس إلى «باب الوادي»، أو أن الجزائريين أنفسهم قد صاروا فرنسيين في غفلة من الزّمن.
إنها قناة تريد أن تجعل من الجزائر مرادفًا للخوف، والخوف سلعة يسهل تسويقها واستهلاكها في شاشات التّلفزيون، وفي أحيان أخرى تتحوّل شاشتها إلى مهرجان ضحك، لأن كلّ شخص يحقد على الجزائر بوسعه أن يظهر أمام كاميراتها، فالإسراف في نقد الشّيء يتحوّل إلى تنكيت، ومن حقّ القناة أن تنتقد قرارًا أو موقفًا أو تصريحًا صدر عن واحد من المسؤولين في الجزائر، لكنها باتت تلعن كلّ ما هو جزائري، وإذا تكلّمت عن الهجرة فإنها تربطها حصرًا بالجزائر (مع العلم أن أعلى نسبة مهاجرين في فرنسا تأتي من أوروبا: من البرتغال وإسبانيا وإيطاليا)، وإذا تكلّمت (سي نيوز) عن الإسلام فإنها تحيله إلى الجزائر، ولا ندري لماذا تماطل الحكومة الجزائرية بأن تتيح للقائمين على هذه القناة بطاقات إقامة في البلد؟ إنّهم يهتمون بشؤوننا أكثر مما نفعل نحن.
في الماضي ظنّ الإنسان أن الكون تحكمه ثلاث قوى: الماء والهواء والنّار، ثم جاءت هذه القناة واكتشفت أن الكون تحكمه ثلاث قوى أخرى: الجزائر والهجرة والدّين. وإذا لم يحصل شيء في وهران أو قسنطينة أو في الصحراء طوال أسبوع، فمن المحتمل أن تعقد القناة اجتماعًا طارئًا وتبتكر مواضيع تبرّر كلامها عن الجزائر. إنّها لا تعرف ماذا يجري تحت برج إيفل ولا ما يدور في البرلمان الأوربي، تغمض عينيها ولا تتدخّل في شؤون حكومة الإيليزيه، لكن عندما تعتقل الشرطة تاجر مخدرات مبتدئا، فإنها تسارع في النّطق بالحكم والقول إن العرب والأفارقة جلبوا الخراب إلى فرنسا.
إنّها قناة تُدافع عن حقّها في حرية التّعبير والحريّة من المقدسات إلى درجة لا ترى فيها حرجًا في شتم كلّ مهاجر. إنها تنوب عن الشرطة والقضاء، تختلق جرمًا ثم تنطق بالحكم فيه، والمتهم نعرفه مسبقًا، لا بدّ أن يكون اسمه عربي، والمتهم الأمثل في نظرها أن تكون أصوله من الجزائر.
هل سبق أن شاهدتم من بين ضيوف «سي نيوز» شخصًا يعارض آراء مذيعيها؟ لا يصحّ أن يكون المتّهم ضيفًا في بلاتو وإلا ستفقد القناة مصداقيتها في أعين المتحمسين لها.
إن حرية التّعبير في نظرها تعني إقصاء من يختلف معها في الرّأي. ومن حقها أن تجعل من الجزائر موضوعًا لها، لكنها جعلت منها من ثوابت الشاشة. إنّها واحدة من القنوات النّادرة في العالم، والتي تستضيف ما يطلق عليهم محلّلون وخبراء، ليس من أجل مناقشة قضية والعثور على حلّ لها، بل من أجل صناعة الفزع في قلوب مشاهديها.
ومن يحتمل صبرًا على مشاهدة «سي نيوز» شهرًا واحدًا، فسوف يخرج منها مثل كافكا، ناقمًا وعدميًا، ويكره كلّ شيء من حوله. لقد أفلحت في شيء ومن الواجب أن نصفق لها: لقد جعلت من مشاهديها جمهورًا يتعاطى حبوب الحقد.
قد يقول أحدهم إنّها قناة تمارس حقها في التعبير والنّقد، ومن الضروري احترام خطّها التّحريري، وهذا كلام جميل، ولكن الأجمل منه أنها قناة تدفع مالًا مقابل ألا ينفرّ منها المشاهدون، فهي أكثر قناة تعرّضًا للغرامات المالية في السنين الأخيرة، وآخر مرة تعود إلى هذه الصائفة عندما فرضت عليها هيئة الاتّصال السمعي البصري في فرنسا غرامة جديدة، وذلك بعد مشاهد 168 ساعة من البثّ تبيّن منها أن معالجة «سي نيوز» لقضايا مثل الأمن والهجرة تدور في وجهة نظر واحدة، تخلو من تعددية واستقلالية.
إن فرنسا نفسها تشتكي منها، لكن لا بأس ما دام القائم على القناة من أغنى الرّجال في باريس ونقصد منه فانسون بولوري.
لن يضيره دفع بضعة آلاف من اليوروهات، فالمهمّ أن يواصل صحافيوه عملهم، ألا يهتموا بأي جريمة عدا الجرائم، التي يقترفها جناة من أصول عربية أو أفريقية.
أن يسطو رجل على بنك فهذا خبر غير مهمّ، أما أن تلقي الشرطة القبض على شاب جزائري بحجة السياقة بسرعة مفرطة فهذا خبر رئيسي.
يبدو أنها قناة ذات أطماع سياسية، فواحد من العاميلن فيها سبق أن ترشّح إلى الانتخابات الفرنسية، وأراد أن يخلف ماكرون، ونقصد منه إيريك زمور.
وبعدما فشل استقال من الشاشة ثم سرعان ما عاد إليها بصفة محلّل سيّاسي. والمفارقة أن زمور نفسه من أصول جزائرية، وهو المذيع صاحب أعلى رقم من القضايا مع العدالة، وهي قضايا تتعلّق في الغالب بخطاب الكراهية، وكلّما تراكمت عليه الغرامات (لأن القانون في فرنسا لا يسجن صحافيًا لمجرد إبداء رأي)، يبرّر الأمر بأنه يدفع ثمن جرأته في قول الحقيقة؟
عن أي حقيقة يتحدّث؟ إنه لم يقنع مواطنيه بالتّصويت له، لم يقتنعوا بالحقيقة التي يدلي بها ويعلمون أنها زيف، فإذا كان رجلا لم يقنع الحدّ الأدنى من النّاس بكلامه في الشارع، كيف يظنّ أن قوله في التلفزيون هو الحقيقة؟
إذا لم تكن الجزائر في الوجود، فإن «سي نيوز» سوف تخترعها، لأنها لا ترى جدوى من بثّها دون الخوض في شؤون جنوب البحر الأبيض المتوسط، ولم يعد يفصلها سوى خطوة واحدة كي يكتمل مهرجان الضحك الذي تسرف فيه، أن تخصص برامج بالعربية والأمازيغية، في التّرويح عن الجزائريين.
سعيد خطيبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات