عاد الكاتب بوعلام صنصال إلى واجهة التوتر السياسي بين الجزائر وخصوم سياساتها، معلنا تمسكه بملاحقة الرئيس عبد المجيد تبون قضائيا بسبب ما يعتبره مسؤولية السلطات الجزائرية عن اعتقاله وسجنه لمدة قاربت عاما. وتزامن هذا الموقف مع تجديده تصريحات مثيرة للجدل بشأن الامتدادات التاريخية للمغرب في مناطق تقع اليوم داخل التراب الجزائري، من بينها تلمسان ومغنية وأجزاء من الغرب الجزائري.
وفي مقابلة مع قناة DW الألمانية الناطقة بالعربية، أعاد صنصال طرح مسألة الحدود التي أفرزتها المرحلة الاستعمارية الفرنسية، معتبرا أن ترسيمها لا يمكن فصله عن التحولات التاريخية التي عرفتها المنطقة. وتأتي عودته إلى هذا الملف بعد الإفراج عنه في نونبر 2025، إثر عفو رئاسي جزائري جاء عقب تدخل الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، استنادا إلى اعتبارات إنسانية وصحية.
مواجهة قضائية تتجاوز قرار الإفراج
لا يعتبر صنصال أن خروجه من السجن يضع حدا للقضية التي أثارتها السلطات الجزائرية ضده، إذ يؤكد عزمه على السعي إلى مساءلة المسؤولين عن احتجازه. وكان الكاتب قد أعلن، خلال مارس 2026، في مقابلة مع الصحفي الفرنسي جان جاك بوردان، نيته رفع دعوى ضد تبون، مشددا على رفضه طي الملف من دون متابعة ما يراه انتهاكات تعرض لها.
ويربط الكاتب بين اعتقاله ومواقفه المتعلقة بتاريخ الحدود بين المغرب والجزائر، كما يستند إلى تصريحات للرئيس الجزائري أعقبت توقيفه، يرى فيها ما يعزز تحميله المسؤولية السياسية عن مسار القضية. غير أن طبيعة الإجراءات التي يمكن أن يعتمدها، والجهة القضائية التي قد تنظر في دعواه، لا تزالان غير واضحتين.
ومن بين النقاط التي يستحضرها صنصال في تبرير تحركه القضائي ما يصفه بالمساس بحقوقه أثناء الاحتجاز، فضلا عن العراقيل التي واجهت دفاعه. وفي هذا السياق، أشار إلى عدم حصول محاميه الفرنسي فرانسوا زيميراي على التأشيرة التي كان يحتاج إليها لزيارته وتولي الدفاع عنه.
تصريحات الحدود التي فجّرت الأزمة
تعود جذور القضية إلى 16 نونبر 2024، عندما أوقف صنصال في مطار الجزائر العاصمة لدى عودته من فرنسا. وجاء الاعتقال بعد تصريحات أدلى بها لوسيلة إعلام فرنسية تناول فيها الحدود الجزائرية، وتحدث عن مناطق قال إن فرنسا ألحقتها بالجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، رغم ارتباطها التاريخي بالمغرب وفق روايته.
وأثارت هذه المواقف ردود فعل غاضبة داخل الجزائر، وتحولت إلى محور أساسي في القضية التي انتهت بإدانته بالسجن خمس سنوات، ضمن تهم شملت المساس بوحدة الوطن. وفي مارس 2025، صدر الحكم الابتدائي في حقه، قبل أن تؤيده محكمة الاستئناف في فاتح يوليوز من العام نفسه.
وكان صنصال قد طعن في الحكم، كما طالبت النيابة العامة بعقوبة أشد، إلا أن محكمة الاستئناف أبقت العقوبة الأصلية. وسرعان ما تجاوزت القضية إطارها القضائي، لتصبح موضوع نقاش سياسي وحقوقي، خصوصا في فرنسا، حيث تزامنت مع مرحلة من التوتر في العلاقات الفرنسية الجزائرية.
من السجن إلى ألمانيا
خلال فترة احتجازه، تصاعد الاهتمام بوضع الكاتب، في ظل دعوات للإفراج عنه استندت إلى اعتبارات مرتبطة بسنه وحالته الصحية، إلى جانب المطالب المتعلقة بحرية التعبير وحقوق المثقفين. وفي نونبر 2025، أعلنت الرئاسة الجزائرية العفو عنه استجابة لطلب تقدم به الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير.
وبعد إطلاق سراحه، نُقل صنصال إلى ألمانيا لتلقي العلاج، منهيا بذلك قرابة عام من الاحتجاز. غير أن هذه الخطوة لم تضع حدا للخلاف بشأن ملابسات اعتقاله أو طبيعة التهم الموجهة إليه، كما لم تدفعه إلى التخلي عن مساعيه الرامية إلى مساءلة المسؤولين الذين يحملهم مسؤولية ما تعرض له.
وتناول الكاتب، إلى جانب تجربته داخل السجن وما خلفته من آثار على حياته الشخصية والمهنية، كتابه الجديد «الأسطورة»، الذي يتطرق فيه إلى محنته، فضلا عن زيارته لإسرائيل ومواقفه المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وهي ملفات أخرى تثير نقاشا حول مواقفه السياسية والفكرية.
التاريخ الاستعماري يعود إلى النقاش
تعيد تصريحات صنصال تسليط الضوء على إشكالية الحدود التي تشكلت خلال الفترة الاستعمارية، وعلى اختلاف القراءات التاريخية للعلاقات بين المغرب والمناطق التي أصبحت جزءا من الجزائر الحديثة. ويظل حديثه عن تلمسان ومغنية ومناطق أخرى من غرب الجزائر جزءا من موقفه بشأن الامتدادات التاريخية للمملكة، وهو موقف أثار خلافا حادا مع السلطات الجزائرية.
وفي الوقت الذي يصر فيه الكاتب على أن اعتقاله ارتبط بمواقفه، تتمثل الخطوة المقبلة في مدى قدرته على تحويل تهديده بالمقاضاة إلى إجراء قانوني فعلي، فضلا عن تحديد الجهة المختصة بالنظر في دعواه والأسس التي سيعتمدها.
وهكذا، لم يؤد الإفراج عن بوعلام صنصال إلى إغلاق الملف، بل نقل المواجهة إلى مرحلة جديدة، تتداخل فيها مطالب المساءلة القانونية مع الجدل حول حرية التعبير والتاريخ الاستعماري وحدود الدول المغاربية. وبين تمسك الكاتب بروايته بشأن أسباب اعتقاله واستمرار الخلاف مع السلطات الجزائرية، تبقى التطورات القانونية المرتقبة عاملا أساسيا في تحديد المسار الذي ستتخذه القضية خلال المرحلة المقبلة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات