تتصاعد الضغوط الدولية لدفع العملية السياسية في ليبيا، عقب تلويح الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الأطراف المعرقلة للانتقال السياسي، بالتزامن مع تمديد مجلس الأمن الدولي ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عاماً إضافياً. وتأتي هذه التحركات وسط دعوات متجددة إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ومعالجة الانقسام المؤسسي والأزمات الاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد منذ سنوات.
وحذر كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، من أن واشنطن لن تتردد في السعي لفرض عقوبات وعواقب على الجهات التي تتعمد عرقلة الانتقال السياسي أو استغلال المرحلة الانتقالية لتحقيق مكاسب خاصة. وأكد أن الولايات المتحدة تدعم الجهود الرامية إلى تمكين ليبيا من تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة، وصولاً إلى انتخابات وطنية وإنهاء الانقسام السياسي.
ورحب بولس بقرار مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة الأممية، معتبراً أن ليبيا أمام فرصة تاريخية لتحقيق الاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة. وأشار إلى أن التحركات الأمريكية تستند أيضاً إلى التدابير الواردة في القرار الدولي رقم 2174، الذي يتيح إدراج الأفراد والكيانات المتورطة في عرقلة العملية السياسية أو تقويضها ضمن قوائم العقوبات الدولية.
ويمثل الموقف الأمريكي تطوراً في مستوى الضغوط السياسية المعلنة على الأطراف الليبية، إذ ينتقل من الدعوة إلى التوافق إلى التلويح باستخدام أدوات عقابية بحق المعرقلين. ومع ذلك، فإن فرض عقوبات فعلية يظل مشروطاً بتحديد المسؤوليات وتوافر توافق دولي بشأن الإجراءات المطلوبة، في ظل تباين مواقف القوى الكبرى من بعض جوانب الأزمة الليبية.
وكان مجلس الأمن الدولي قد اعتمد القرار رقم 2835، الذي مدد بموجبه ولاية البعثة الأممية حتى الحادي والثلاثين من أكتوبر/تشرين الأول 2027، بتأييد ثلاث عشرة دولة وامتناع روسيا واليونان عن التصويت. وجدد القرار دعمه لخريطة الطريق السياسية التي تقودها المبعوثة الأممية هانا تيتيه، داعياً المؤسسات والأطراف الرئيسية إلى الانخراط في مفاوضات شاملة وشفافة، دون شروط مسبقة أو تأخير، وتقديم التنازلات اللازمة للتوصل إلى توافق يمهد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.
ويأتي تجديد التفويض في وقت لا تزال فيه العملية السياسية تواجه خلافات بشأن القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وتشكيل السلطة التنفيذية. ومنذ تعذر إجراء الانتخابات التي كان إجراؤها مقرراً في ديسمبر/كانون الأول 2021، استمرت الانقسامات بين المؤسسات السياسية، رغم المبادرات المتعاقبة التي سعت إلى معالجة الخلافات حول إدارة المرحلة الانتقالية وتوزيع الصلاحيات.
وفي أولى ردود الفعل من شرق ليبيا، رحب صدام حفتر ورئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، بقرار التمديد، مؤكدين أهمية توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام. واعتبر أن القرار يوفر فرصة للتوصل إلى تسوية وطنية شاملة، داعياً إلى وضع خريطة طريق واضحة ومحددة الآجال، تتضمن ضمانات للتنفيذ وتفضي إلى انتخابات تستند إلى أساس دستوري وقانوني متوافق عليه.
وشدد صدام حفتر على ضرورة ألا يتحول تشكيل حكومة موحدة إلى مدخل لإطالة المرحلة الانتقالية أو إعادة إنتاجها بصيغ جديدة. من جانبه، أكد حماد أن توحيد السلطة التنفيذية يمثل خطوة أساسية لاستعادة وحدة مؤسسات الدولة، داعياً إلى توحيد المؤسسات السيادية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
ورغم تقاطع هذه المواقف مع المطالب الأمريكية والأممية، فإن التحدي يبقى في التوصل إلى تفاهمات بشأن آليات تشكيل الحكومة الموحدة وصلاحياتها والجدول الزمني للانتخابات. فقد أظهرت التجارب السابقة أن الاتفاق على ضرورة إنهاء الانقسام لا يعني بالضرورة التوافق على الإجراءات العملية لتحقيق ذلك، خصوصاً مع استمرار التنافس على الشرعية السياسية وإدارة المؤسسات السيادية. وفي الجانب الاقتصادي، دعا مجلس الأمن إلى إنشاء آلية يقودها الليبيون وتضم الأطراف المعنية من مختلف أنحاء البلاد، لتحديد مستويات الإنفاق العام وضمان إدارة الموارد الوطنية بصورة شفافة. واعتبر المجلس التوقيع على إطار الإنفاق الموحد في الحادي عشر من أبريل الماضي خطوة مهمة نحو تعزيز التنسيق الاقتصادي، مطالباً بمواصلة تنفيذ التفاهمات المتعلقة باستقرار النظام المالي.
كما حذر القرار من استغلال عائدات النفط والغاز لتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية، مشدداً على ضرورة إبقاء الموارد النفطية تحت السيطرة الحصرية للمؤسسة الوطنية للنفط، وتعزيز الرقابة على الإيرادات، والتصدي لتهريب الوقود وتسرب الأموال العامة. وأعرب عن قلقه إزاء تراجع مستويات المعيشة وضعف الخدمات الأساسية، بما في ذلك تكرار انقطاع الكهرباء ونقص الوقود والمياه.
وتشير هذه البنود إلى اتساع الاهتمام الدولي بالارتباط بين الانقسام السياسي والتنافس الاقتصادي، إذ باتت إدارة الموارد والإنفاق العام جزءاً أساسياً من جهود التسوية، بالنظر إلى تأثير الخلافات المالية على استقرار المؤسسات وقدرتها على تقديم الخدمات.
وعلى الصعيد الأمني، جدد مجلس الأمن التأكيد على عدم وجود حل عسكري للأزمة الليبية، داعياً الأطراف إلى الامتناع عن العنف والتصعيد، والتنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2020. كما طالب باستكمال خطوات انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية، وفق الخطة التي أقرتها اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» في أكتوبر 2021.
ودعا المجلس كذلك إلى توسيع أنشطة البعثة الأممية في بنغازي وسبها وسرت، وزيادة التواصل مع القوى الفاعلة في الشرق والجنوب، بما يعزز جهود المصالحة وإعادة توحيد المؤسسات، مع الاستمرار في دعم تدابير بناء الثقة بين الأطراف العسكرية والأمنية.
وبين التحذيرات الأمريكية والمطالب الأممية والترحيب الصادر عن قيادات في شرق ليبيا، تتجه الأنظار إلى الخطوات العملية التي ستتخذها الأطراف السياسية خلال المرحلة المقبلة. وبينما يمنح تجديد التفويض البعثة الأممية مساحة إضافية لمواصلة جهود الوساطة، فإن نجاح التحرك الدولي سيظل مرتبطاً بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز خلافاتها والتوصل إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ، تحول دون استمرار المراحل الانتقالية وتفتح الطريق أمام توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات.

تعليقات الزوار
لا تعليقات