قبل عام تقريبا، كان وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف يتحدث عن ثلاثة أهداف قال إن المغرب كان يسعى إلى تحقيقها داخل مجلس الأمن بشأن ملف الصحراء، واضعا في مقدمتها تفكيك بعثة المينورسو أو تغيير طبيعة مهامها بشكل جذري، لتأتي تطورات الجمعة 30 أكتوبر 2026 وتعيد تصريحاته إلى الواجهة، بعدما انتهت ولاية البعثة الأممية دون اعتماد قرار جديد يمدد مهمتها، الأمر الذي استثمره المغرب للإعلان عن توجه نحو إنهاء مرحلة كاملة من التدبير الأممي للنزاع.
المفارقة أن ما كان عطاف يتحدث عنه باعتباره هدفا مغربيا لم يتحقق، أصبح اليوم جزءا من التحول الذي تدفع الرباط في اتجاهه، بعدما فشل مجلس الأمن في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي المتنافسين، وانتهى التفويض الممنوح للمينورسو في 31 أكتوبر، دون التوصل إلى توافق يسمح بمواصلة مهمتها وفق الصيغة السابقة قبل ان يعلن غوتيريش صباح اليوم الاحد إنهاء مهامها بشكل رسمي.
ولم يكن الموقف المغربي هذه المرة مجرد ترحيب بانتهاء ولاية البعثة، بل حمل رسائل سياسية ودبلوماسية أوسع، سواء من خلال تصريحات وزير الخارجية ناصر بوريطة للقناة الثانية، أو عبر بلاغ الديوان الملكي الذي تحدث صراحة عن خطوة مهمة نحو الطي النهائي لملف الصحراء داخل الأمم المتحدة، معتبراً أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجاوز منطق تدبير النزاع إلى تغيير عميق في قواعد التعامل معه.
وما أعاد تصريحات عطاف إلى الواجهة، جاء خلال جلسة مجلس الأمن المنعقدة الجمعة 30 أكتوبر 2026، والتي شهدت مواجهة دبلوماسية غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن مستقبل المينورسو، حيث طرحت واشنطن مشروع قرار يقضي بتمديد ولاية البعثة لمدة سنة إضافية، مع إدخال تعديلات مهمة على طبيعة عملها، من بينها تغيير تسميتها بحذف الإشارة إلى الاستفتاء، وإعادة النظر في هيكلتها ومهامها، إلى جانب تعزيز موقع مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساساً للمفاوضات الرامية إلى تسوية النزاع.
وحصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضوا من أصل 15، غير أن روسيا استخدمت حق النقض لإسقاطه، فيما امتنعت الصين وباكستان عن التصويت، وفي مواجهة هذا المشروع، تقدمت موسكو بمشروع بديل يقضي بتمديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027، دون إدخال التغييرات التي اقترحتها واشنطن، حيث أن المشروع الروسي لم ينجح بدوره، بعدما حصل على ثلاثة أصوات مؤيدة فقط، مقابل صوت أمريكي معارض و11 امتناعا، ليُسقط بذلك باستخدام الولايات المتحدة حق النقض.
وما يلفت الانتباه أن المغرب لم يتعامل مع الفيتو الروسي باعتباره مجرد انتكاسة للمشروع الأمريكي، بل إن ناصر بوريطة قدم، خلال استضافته في برنامج "لقاء خاص" على القناة الثانية، أمس السبت 31 أكتوبر، قراءة مختلفة لما جرى، مؤكدا أن الموقف الروسي لم يكن مفاجئا للرباط، وأن المغرب كان على علم باحتمال لجوء موسكو إلى استخدام حق النقض.
وأوضح بوريطة أن المغرب كان أمام اختيارين وهما إما محاولة تفادي الفيتو الروسي عبر تقديم تعديلات وتنازلات على مشروع القرار، أو التعامل مع هذا التطور باعتباره فرصة لإعادة النظر في قواعد تدبير الملف، التي لم تعد، بحسب المقاربة المغربية، ملائمة للتحولات التي عرفتها القضية خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، اعتبر وزير الخارجية المغربي أن الموقف الروسي، بدل أن يشكل تهديدا للمسار الذي تدفع به الرباط، يمكن أن يتحول إلى فرصة لمراجعة بعض القواعد التي حالت دون الوصول إلى تسوية نهائية، كما توقف عند دلالة استمرار بعثة تحمل في تسميتها إشارة إلى الاستفتاء، رغم مرور عقود على إنشاء آلية لم تتمكن من تنظيم هذا الاستفتاء، معتبراً أن استمرار العمل بالمنطق نفسه لم يعد يعكس حقيقة التحولات السياسية التي عرفها الملف.
إذا كانت تصريحات بوريطة قد كشفت الحسابات المغربية وراء التعامل مع الفيتو الروسي، فإن بلاغ الديوان الملكي الصادر مساء الجمعة 30 أكتوبر حمل الموقف السياسي الأكثر وضوحا بشأن طبيعة المرحلة التي يريد المغرب الانتقال إليها.
فالبلاغ لم يكتف بالتعبير عن ارتياح الرباط لعدم تجديد ولاية المينورسو، وإنما اعتبر هذا التطور خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، في تحول وصفه بأنه انتقال من منطق التدبير إلى منطق التغيير العميق لمحددات الملف.
وأكد البلاغ أن عدم تجديد الولاية يعني، وفق الموقف المغربي، انتهاء وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة خلال الأيام المقبلة، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها، معتبرا أن صفحة امتدت 35 سنة قد طويت، وأن البعثة التي أُنشئت في سياق تاريخي مختلف أصبحت مرتبطة بمنطق تجاوزه الزمن.

تعليقات الزوار
لا تعليقات