في أولى تصريحاته عقب الإفراج عنه، طلب رجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو المطلوب دوليا لدى سلطات بلاده، الحماية من إسبانيا بينما لا يزال القضاء الإسباني يدرس طلب تسليمه للجزائر. يأتي ذلك، في وقت تحدثت صحيفة إسبانية في تحقيق لها عن شكوى جديدة تلاحقه تتعلق بشبكة دولية للاتجار بالمخدرات.
وجاء قرار الإفراج في حكم صادر في 4 أيلول/سبتمبر، اعتبرت فيه المحكمة أن استمرار حبسه دون إمكانية الإفراج عنه بكفالة لم يعد متناسبا. ويأتي ذلك بعد تراجع للنيابة العامة عن موقفها السابق، بعدما كانت قد دعمت في البداية استمرار احتجاز عيسيو، قبل أن تقدم بعد أسابيع تقريرا توصي فيه بالإفراج المؤقت عنه.
لكن قرار الإفراج تضمن فرض مجموعة من القيود القضائية عليه، بينها تحديد عنوان إقامة ثابت وإبلاغ المحكمة بأي تغيير يطرأ عليه، والمثول مرتين في الأسبوع أمام المحكمة الأقرب إلى محل إقامته، ومنعه من مغادرة الأراضي الإسبانية، إضافة إلى سحب جواز سفره.
وكان عيسيو قد أوقف في 25 يوليو الماضي بمطار برشلونة-إل برات، لدى عودته من المغرب وفق ما أكده هو شخصيا لصحيفة “ذي أوبجكتيف”، تنفيذا لإجراء مرتبط بطلب تسليم صادر عن السلطات الجزائرية. ووضع في 26 يوليو رهن الحبس المؤقت في سجن بريانس 1 ببرشلونة، قبل أن تؤكد المحكمة المركزية للتحقيق رقم 1 في المحكمة الوطنية الإسبانية استمرار حبسه في 28 يوليو، دون إمكانية الإفراج عنه بكفالة.
وفي أول تصريح له منذ خروجه من السجن، تحدث عيسيو إلى صحيفة “ذي أوبجكتيف” الإسبانية، معبرا عن مخاوفه من أن يؤدي الإفراج عنه إلى أزمة دبلوماسية جديدة بين مدريد والجزائر. وقال إن عواقب الإفراج عنه “غير متوقعة”، معربا عن قلقه على حياته وعلى أمن عائلته.
وقال عيسيو إن السلطات الجزائرية “فقدت السيطرة” عندما أدركت أن إسبانيا لم تبقه في السجن، معتبرا أن الإفراج عنه “يمكن أن يؤثر” على العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين البلدين، بسبب ما وصفه بغياب سياسة خارجية مستقرة لدى الجزائر. وأضاف: “هذا دليل على أن الأمر ليس قضية قانونية، بل قضية سياسية”.
ولا تزال المحكمة الوطنية الإسبانية مطالبة بالفصل في الشكوى التي تقدمت بها الجزائر، وهي مرحلة سيواجهها عيسيو وهو طليق، معربا عن قناعته بأن المؤسسات الإسبانية ستقاوم أي ضغط خارجي. لكنه قال إنه لا يستطيع توقع رد فعل الرئيس عبد المجيد تبون، معتبرا أن رد فعل الجزائر أصبح “غير متوقع”.
واستشهد بطرح قضيته أمام البرلمان الجزائري، حيث كانت في المرتبة الثانية، على جدول الأعمال مباشرة بعد الحرائق التي شهدتها البلاد. وأضاف أن الدعم الذي تلقاه من فرنسا وتحرك شخصيات فرنسية ضد تسليمه إلى الجزائر كان مثار انتقاد داخل البرلمان.
وأكد أن الخلاف بينه وبين النظام الجزائري لا يعود إلى توقيفه في برشلونة هذا الصيف، وقال: “هذا ليس شيئا سيحدث في 2026″، موضحا أن قضيته تعود إلى عدة سنوات، وأن الاختلاف حاليا يتمثل في أنها اكتسبت بعدا دوليا وأصبحت تشمل القضاء الإسباني بشكل مباشر.
كما رفض عيسيو وصفه بأنه “هارب”، وقال: “أنا لا أعتبر نفسي هاربا”، مذكرا بأنه سافر خلال السنوات الماضية بحرية إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا والسويد وإسبانيا ودول أوروبية أخرى، دون أن يختبئ أو يخشى توقيفه.
وقال إنه تمكن من السفر إلى دول ديمقراطية يثق فيها باستقلال القضاء في مواجهة الضغوط السياسية الجزائرية، مؤكدا أن هذه الثقة تشمل إسبانيا أيضا. وأضاف أنه يثق في النظام القضائي الإسباني، وأن إجراءات التسليم يجب أن تتم حصرا أمام المحاكم، دون تدخل سياسي.
وقال: “هناك إجراء قضائي جار أمام القضاء الإسباني. يجب ترك العدالة تأخذ مجراها”، مؤكدا أن “القضاء الإسباني صارم ومستقل عن أي تأثير”.
ورغم الإفراج عنه، قال عيسيو إنه لا يزال يخشى على حياته وعلى أمن عائلته، وإنه يعتزم الاحتماء في إسبانيا. وربط مخاوفه بما قال إنه حدث في السابق في فرنسا لجزائريين آخرين، مشيرا إلى التحقيقات الفرنسية في عمليات استهدفت شخصيات من المعارضة الجزائرية.
كما قال إن التهديدات التي تستهدف عائلته لم تتوقف بعد مغادرتها فرنسا، وإن أفراد أسرته قالوا إنهم تعرضوا للمراقبة في إسبانيا قبل توقيفه، بعد رصد مركبات قالت هيئة دفاعه إنها كانت تحمل لوحات تسجيل قنصلية جزائرية.
ووفق الصحيفة، فإن عيسيو سئل عن إمكانية ترشحه للانتخابات الرئاسية سنة 2029 في الجزائر، فأجاب قائلا: “لم لا”.
وبالتوازي مع قضية التسليم، نشرت صحيفة “إل ديبات” الإسباني تحقيقا للصحافي أليخاندرو إنترامباساغواس، أوردت فيه معطيات عن شكوى تتهم عيسيو بالارتباط بالمغرب والانتماء إلى شبكة دولية للاتجار بالمخدرات.
وقالت الصحيفة إنها حصلت على نسخة من شكوى تتضمن اتهامات بالارتباط بشبكة دولية للاتجار بالمخدرات، وتقول الوثيقة إن هذه الشبكة “تهدف إلى نقل المخدرات سرا من البرازيل وغينيا بيساو إلى أوروبا وشمال إفريقيا، باستخدام المغرب والجزيرة الخضراء وجزر الكناري ومدينتي سبتة ومليلية كطرق عبور استراتيجية”.
وتذكر الشكوى ثلاثة أشخاص بشكل صريح باعتبارهم مرتبطين بالعملية، هم “تاجر المخدرات الشهير المعروف باسم شوكاس”، و”أيوب عيسيو، وهو مواطن جزائري أفرج عنه مؤخرا مؤقتا في إسبانيا”، و”أعضاء في أجهزة الاستخبارات المغربية”.
وتقول “إل ديبات” إن شوكاس، واسمه الحقيقي روبين أوليفيرا، يعتبر من أقوى وأخطر تجار المخدرات في تاريخ البرتغال، وإن نشاطه ارتبط بإدخال كميات كبيرة من الكوكايين إلى أوروبا عبر شبكات لوجستية دولية مرتبطة بكارتلات في أمريكا الجنوبية.
وتصف الشكوى الجمع بين هذه الأسماء بأنه “هيكل جيوسياسي عالي المخاطر يسعى إلى استخدام الأراضي والهويات المرتبطة بالمنطقة لإخفاء عمليات غير مشروعة”، وتضع عيسيو مباشرة داخل هذه الشبكة، بحسب ما أوردته الصحيفة.
وتأتي هذه الشكوى المتعلقة بشبكة المخدرات في سياق منفصل عن طلب التسليم الجزائري، إذ تشير “إل ديبات” إلى أن السلطات الجزائرية تبحث عن عيسيو على خلفية قضايا تتعلق بالتزوير واستعمال المزور، والمشاركة في منظمة إجرامية وتبييض الأموال.
وكان أيوب عيسيو في فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، قد بنى نشاطا في قطاعات اقتصادية متعددة، قبل أن يدخل مجال الإعلام بتأسيس قناة “الجزائرية وان”. وكان اسمه مرتبطا باستثمارات في العقار والاستيراد والفلاحة والصناعة وإنتاج الحليب ومواد البناء، إلى جانب مشاريع أخرى.
لكن صعوده توقف بعد الحراك الشعبي في 2019، بعدما فتحت السلطات الجزائرية تحقيقات واسعة في ملفات فساد طالت رجال أعمال ومسؤولين ووجوها اقتصادية كانت قريبة من دوائر الحكم خلال السنوات الأخيرة من عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
وإثر ذلك، غادر عيسيو الجزائر في أبريل 2019 واستقر في فرنسا، حيث تقدم بطلب للجوء، وفقا للمعطيات التي أوردتها مصادر مختلفة. وفي الجزائر، واصلت الجهات القضائية متابعة ملفه، وانتهت القضية إلى صدور أحكام غيابية بحقه تصل مدتها إلى نحو 60 سنة سجنا نافذا.

تعليقات الزوار
لا تعليقات