دخل اتفاق اللجنة المصغرة «4+4» في ليبيا مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والقانوني، بعدما أعلن الناطق باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، اعتماد المجلس الاتفاق بالإجماع خلال جلسة عقدت، الإثنين، في مدينة بنغازي، في وقت قاطع فيه عشرات النواب الجلسة، وشكك أعضاء آخرون في اكتمال نصابها وصحة الإجراءات التي اتخذت خلالها.
وبينما قدم الإعلان بوصفه خطوة نحو تنفيذ الاتفاق الموقع في 30 أغسطس الماضي، أثارت عبارة «اعتماده بالإجماع» جدلا واسعا، إذ أوضح نواب معارضون أن الإجماع اقتصر على الأعضاء الحاضرين داخل القاعة، وليس على أعضاء المجلس مجتمعين، مؤكدين أن عدد المشاركين لم يكن كافيا لإقرار الاتفاق أو تضمين مخرجاته في الإعلان الدستوري.
وقال بليحق، في منشور مقتضب عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، إن مجلس النواب صوت بالإجماع لصالح اعتماد الاتفاق النهائي للجنة المصغرة «4+4»، خلال الجلسة المنعقدة برئاسة رئيس المجلس عقيلة صالح، دون أن يكشف عدد النواب الذين حضروا أو شاركوا في التصويت.
ولم تبث الجلسة على الهواء، ولم يصدر فور انتهائها بيان تفصيلي يوضح النصاب المسجل أو طبيعة القرار المتخذ، وما إذا كان الاعتماد يمثل موافقة سياسية أولية أم يتضمن إدخال التعديلات المطلوبة على الإعلان الدستوري لتنفيذ بنود الاتفاق.
وفي رواية مغايرة تماما للإعلان الرسمي، قال عضو مجلس النواب علام الفلاح إن الجلسة لم تنعقد بصورة قانونية بسبب عدم اكتمال النصاب، موضحا أن عقيلة صالح حضر إلى القاعة برفقة 17 نائبا فقط، بينما بقي 78 نائبا خارجها بسبب عدم التوصل إلى اتفاق بشأن جدول الأعمال.
وأضاف الفلاح أن الخلاف لم يكن متعلقا برفض مخرجات لجنة «4+4» في حد ذاتها، وإنما بطريقة إدارة الجلسة وترتيب بنود جدول أعمالها، خصوصا مع تمسك عدد كبير من الأعضاء بمناقشة تعديل اللائحة الداخلية للمجلس قبل الانتقال إلى التصويت على الاتفاق.
و أكد عضو مجلس النواب عصام الجهاني أن الجلسة افتتحت بحضور 30 نائبا فقط، وأن هؤلاء صوتوا بالإجماع على الاتفاق، معتبرا أن الحديث عن اعتماد المجلس له بالإجماع لا يعكس حقيقة الانقسام داخل المؤسسة التشريعية.
وقال الجهاني إن تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري يحتاج إلى موافقة 111 نائبا، مشيرا إلى أن التصويت الذي جرى لا يستوفي هذا الشرط، ما يفتح الباب أمام خلاف قانوني وسياسي بشأن مدى إلزامية القرار وإمكان تنفيذ مخرجاته.
وسبق الجلسة إعلان 63 عضوا في مجلس النواب مقاطعتها بسبب ما وصفوه بعدم وجود جدول أعمال واضح، وتمسكهم بضرورة إعطاء الأولوية لتعديل اللائحة الداخلية للمجلس، ثم التصويت مباشرة على مخرجات لجنة «4+4».
وقال النواب، في بيان مشترك، إن جلسة رسمية سابقة أقرت وضع تعديل اللائحة الداخلية في صدارة أعمال الجلسة التالية، لكن رئاسة المجلس تجاهلت القرار والطلبات المقدمة بتوقيعات عدد كاف من الأعضاء.
وشدد الموقعون على رفض المشاركة في أي جلسة لا تراعى فيها الإجراءات والأصول المنظمة لعمل مجلس النواب، مؤكدين أن إصلاح اللائحة الداخلية وتعديلها يمثلان «أولوية قصوى» لتنظيم عمل المجلس وتصحيح مساره. ورغم مقاطعتهم الجلسة، أكد النواب أنهم لا يعارضون اتفاق اللجنة المصغرة، مذكرين بأنهم كانوا ضمن 111 عضوا أعلنوا في وقت سابق ترحيبهم بمخرجاتها، لكنهم اشترطوا أن يسبق التصويت عليها إقرار التعديلات المتعلقة بالنظام الداخلي للمجلس.
واتهم النواب رئاسة المجلس بتعطيل عقد الجلسات وتجاهل مطالب الأعضاء، معربين عن استغرابهم من عدم انعقاد المجلس لمناقشة التطورات والأزمات التي شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية، رغم ما وصفوه بـ»الأحداث الجسام» التي كانت تستدعي موقفا تشريعيا واضحا.
وكان عقيلة صالح قد دعا أعضاء مجلس النواب إلى حضور جلسة رسمية في بنغازي، دون الإعلان مسبقا عن جدول أعمال محدد، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الخلاف داخل المجلس قبل ساعات من موعد انعقادها.
وتكشف التطورات الجديدة عن اتساع الانقسام بشأن إدارة مجلس النواب وآليات اتخاذ القرار داخله، إذ يتمسك فريق من الأعضاء بأن الأولوية يجب أن تكون لإصلاح اللائحة الداخلية، لمنع تمرير القرارات في جلسات محدودة الحضور، وترى رئاسة المجلس ضرورة المضي في اعتماد اتفاق «4+4» ضمن المهلة الزمنية المنصوص عليها.
ويعد الاتفاق ثمرة اجتماعات لجنة مصغرة تضم أربعة أعضاء عن مجلس النواب ومثلهم عن المجلس الأعلى للدولة، وجرى توقيعه رسميا في 30 آب/أغسطس الماضي، بعد سلسلة من الاجتماعات والمشاورات بين ممثلي المجلسين.
ونص الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وفك الارتباط بين نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إضافة إلى إجراء الانتخابات في ظل سلطة تنفيذية موحدة ومؤسسات وطنية موحدة، خلال مدة زمنية لا تتجاوز 24 شهرا.
ومنح الاتفاق مجلسي النواب والأعلى للدولة مهلة شهر للمصادقة على مخرجاته، ووضع آلية أوسع لتمريرها في حال إخفاقهما في التوصل إلى توافق، في محاولة لتجاوز حالة الجمود التي عطلت المسار الانتخابي وأبقت البلاد تحت سلطة مؤسسات منقسمة ومتعددة الشرعيات.
وحظيت مخرجات اللجنة بترحيب إقليمي ودولي، إذ اعتبرها مجلس الأمن الدولي خطوة مهمة نحو تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، غير أن الخلافات التي ظهرت داخل مجلس النواب تعكس حجم العقبات التي لا تزال تعترض تنفيذ الاتفاق.
وتتركز الإشكالية الحالية حول التمييز بين اعتماد الاتفاق سياسيا واستكمال الإجراءات الدستورية اللازمة لتطبيقه، خصوصا أن عددا من بنوده يتطلب تعديلات قانونية ودستورية لا يمكن إقرارها، بحسب النواب المعترضين، من خلال تصويت محدود داخل جلسة مختلف على نصابها.
ومن شأن استمرار الجدل بشأن عدد الحاضرين وصحة التصويت أن يضع الاتفاق أمام أزمة شرعية جديدة، بدل أن يشكل مدخلا لمعالجة الانقسام القائم، لا سيما إذا رفض المجلس الأعلى للدولة الاعتراف بقرار مجلس النواب أو طالب باستكمال المسار وفق الآليات والنصاب القانوني المحدد.
وبذلك، يبدو أن إعلان اعتماد اتفاق «4+4» لم يحسم الجدل حول مستقبل المسار السياسي، بل نقله من الخلاف بشأن مضمون الاتفاق إلى نزاع جديد حول شرعية الجلسة التي أقرته، في مشهد يعيد إنتاج الانقسامات التي رافقت معظم المبادرات السياسية السابقة في ليبيا، ويجعل تنفيذ الاتفاق مرهونا بقدرة الأطراف على تجاوز الصراع داخل مؤسساتها قبل الحديث عن توحيد مؤسسات الدولة والذهاب إلى الانتخابات.
انقسام داخل مجلس النواب الليبي بعد إعلان اعتماد اتفاق «4+4»

تعليقات الزوار
لا تعليقات