تتواصل عاصفة الفيلم الإسرائيلي “نازا” في العالم وداخل إسرائيل، حيث تتعالى دعوات رسمية لسحب الجنسية من المخرجين الإسرائيليين اللذين يقدّمان في عملهما السينمائي شهادات على جرائم الاحتلال خلال حرب الإبادة وعلى استهداف المدنيين عمدًا.
وبدا أن الفيلم سبب إزعاجا كبيرا لرئيس وزراء الاحتلال وقيادة الجيش التي بادرت على أعلى المستويات إلى الاجتماع وإصدار موقف.
وقال بنيامين نتنياهو، في مقطع مصور نشره على تطبيق تيليغرام، الاثنين، “إنه أمر صادم. نحن نحارب التحريض العالمي المعادي للسامية، وعندما يأتي من داخلنا يصبح أمرا لا يمكن احتماله”. وأضاف “الآن يحظى مخرجان إسرائيليان يصوران جيش الدفاع الإسرائيلي على أنه مجرم حرب بالتصفيق في مهرجان البندقية”.
وجاءت تصريحات نتنياهو بعد بيان لرئيس أركان الجيش إيال زامير قال فيه إن الفيلم يشكل هجوما على إسرائيل.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، الاثنين، عن زامير، مهاجمته الفيلم ومخرجيه، متهما إياهما بالترويج لـ”روايات أعداء إسرائيل”، في إطار ما وصفه بأنه “محاولة خطيرة لنزع الشرعية عنا”.
وجاء موقف زامير في ختام مداولات طارئة عقدها صباح الإثنين مع نائب رئيس الأركان، ورئيس شعبة العمليات، والمدعي العسكري العام، وقائد سلاح الجو، وقائد الوحدة 8200، والناطق بلسان الجيش، وقادة آخرين.
وزعم زامير أن الفيلم يستند إلى “تشويه متعمد للواقع، واتهامات كاذبة وخطيرة ضد جنود الجيش الإسرائيلي وقادته”. وأضاف، بحسب هيئة البث الإسرائيلية: “استنادًا إلى ما نُشر حتى الآن، فهذا ليس فيلمًا ينتقد الجيش الإسرائيلي، وليس محاولة لاستجلاء الحقيقة”، مضيفًا أنه يستند إلى “اتهامات كاذبة وخطيرة ضد جنود الجيش الإسرائيلي وقادته”.
وتابع رئيس الأركان الإسرائيلي: “هذه خطوة ضد إسرائيل، وليس ضد الجيش الإسرائيلي فقط. إنه يتبنى روايات أعداء إسرائيل. وهذه محاولة خطيرة لنزع الشرعية عنا في الدفاع عن أنفسنا أمام أسوأ أعدائنا، وتعريض جنود الجيش الإسرائيلي وقادته لخطر حقيقي”.
وقال زامير إن الجيش الإسرائيلي سيتحرك في المسارات القانونية والقيادية والإعلامية في مواجهة الادعاءات التي يطرحها الفيلم.
وأصدر زامير تعليماته بتشكيل طاقم لبلورة سبل التحرك والتعامل مع ما وصفه بـ”الادعاءات الكاذبة ضد الجيش الإسرائيلي”، ودراسة الخطوات القانونية التي يمكن اتخاذها ضد الفيلم والمشاركين فيه، إلى جانب فحص الجوانب المتعلقة بأمن المعلومات على خلفية تسريب مواد مصنفة سرية استُخدمت في إنتاج الفيلم.
وفي بيان باللغة الإنكليزية نشره الجيش الإسرائيلي على منصة “إكس”، رفض الناطق بلسان الجيش بشدة الادعاء الوارد في فيلم “نازا”، ومفاده أنه جرى التخطيط لهجوم في غزة أو المصادقة عليه رغم التوقع بمقتل نحو 500 مدني فيه، وقال: “هذا ادعاء كاذب تمامًا”.
وطلب الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، العميد إيفي دفرين، في منشور على منصة “إكس”، من صانعي الفيلم السماح لممثلي الجيش بمشاهدته كاملًا كي يتمكنوا، على حد قوله، من “التعامل بصورة موضوعية مع كل واحد من الادعاءات المطروحة فيه”.
وقال الناطق بلسان الجيش إنه “لم يجرِ مطلقًا التخطيط أو المصادقة أو تنفيذ هجوم توقّع فيه الجيش الإسرائيلي مقتل هذا العدد من المدنيين، أو حتى عدد يقترب منه”. وأضاف أنه لم يُطرح خلال الحرب، بحسب زعمه، ادعاء موثوق يفيد بأن هجومًا للجيش الإسرائيلي أدى إلى مقتل عدد يقترب من 500 شخص.
وزعم الناطق بلسان الجيش أيضًا أن صانعي الفيلم لم يكن بوسعهما التحقق من هذا الادعاء، وأنه لا توجد، بحسب قوله، أدلة فعلية تؤيده، ومع ذلك اختارا نشره. كما قال إنه لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من هوية الشخص الذي أُجريت معه المقابلة في الفيلم، أو من خدمته في الجيش الإسرائيلي أو من طبيعة وظيفته.
واختتم بيان الجيش الإسرائيلي بالقول: “هجوم كهذا لم يُخطط له ولم تتم المصادقة عليه ولم يُنفذ قط. ونتساءل لماذا اختار صانعو الفيلم هذا الادعاء تحديدًا لتقديمه في إطار الترويج له”.
الطاقم إسرائيلي
ومما يضاعف الاهتمام الإعلامي العبري ويؤجّج حالة الغضب داخل إسرائيل أن الشهود ومخرجي الفيلم كافة إسرائيليون، مما يصعّب مساعي نفيه وتكذيبه واتهام القائمين عليه بالتهمة الجاهزة، “اللاسامية”، فقد “شهد هنا شاهد من أهله”.
فالفيلم الوثائقي “نازا”، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية الثالث والثمانين، يروي، طيلة 80 دقيقة، قتل المدنيين في غزة، وقد استغرق إعداده ثلاث سنوات من التحقيقات الاستقصائية، وهو يستند إلى شهادات جنود إسرائيليين من وحدات استخباراتية، خاصة الوحدة 8200، وهم يدلون بإفاداتهم بالصوت والصورة، لكن دون الكشف عن وجوههم.
وجاءت تسمية الفيلم “نازا”، التي تثير تداعيات ترتبط بمصطلح النازية، من اختصار مصطلح عبري “نيزك أغافي”، أي “ضرر جانبي”، الذي يحمل تبريرًا مستبطنًا للقتل باعتباره نتيجة جانبية غير مقصودة.
الفيلم، الذي يروي فيه الجنود كيف استخدموا الذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف القصف من خلال مكالمات هاتفية، وكيف أبيدت عائلات بأكملها، يستند إلى أحاديث مع 24 مصدرًا مختلفًا داخل المؤسسة العسكرية أو الاستخباراتية الإسرائيلية، اشترطوا عدم كشف هوياتهم.
وزعم الناطق بلسان جيش الاحتلال أن الفيلم الإسرائيلي يقدّم مزاعم كاذبة تمامًا، متجاهلًا تقارير منظمات حقوقية دولية وتقارير الأمم المتحدة وتقارير منظمات حقوقية إسرائيلية حول ارتكاب جرائم حرب تتهم بها إسرائيل وعدد من قادتها في محاكم دولية أيضًا.
وفي نطاق الاهتمام الإعلامي العبري بالفيلم وتداعياته وتأثيره على وعي العالم بكل ما يتعلق بحقيقة حرب الإبادة وإسرائيل، قال وزير الثقافة في حكومة الاحتلال، ميكي زوهر، مساء الأحد، إنه يسعى لسحب الجنسية الإسرائيلية من مخرجي الفيلم بتهمة “خيانة الدولة”.
وانضمت أوساط في المعارضة أيضًا إلى هذه الدعوة، فقد طالب وزير الأمن السابق، رئيس حزب “يسرائيل بيتينو”، أفيغدور ليبرمان، باتهام المخرجين أفرهام وشور بالخيانة وسحب مواطنتهما.
وفي تصريحات للإذاعة العبرية صباح اليوم الاثنين، قال ليبرمان إنهما يقدمان للعالم مادة مفخخة ضد إسرائيل وتعمّق عزلتها.
ضرر غير جانبي
وكرّست صحيفة “هآرتس” افتتاحيتها اليوم لمسألة الفيلم، وأوضحت فيها أن المخرج والموثق يوفال أفرهام ينشر منذ بدء الحرب في موقع “محادثة محلية” بالعبرية ومجلة “+972” بالإنكليزية تحقيقات عن كيفية تحديد الجيش الإسرائيلي أهدافه في الحرب على غزة.
وتنوّه “هآرتس” إلى أن أفرهام ليس وحيدًا، وقالت إنها هي بنفسها نشرت تحقيقات مهمة في هذا المضمار، وتتساءل: هل زعزعت هذه الشهادات الإسرائيليين؟ هل سمعنا صرخة ضد ما حصل؟ وهل أعلن الجيش عن قراره بمعاينة ما فعله بنفسه؟
وعن كل ذلك تضيف: “لا. لا يزال هناك إجماع إسرائيلي يقول إن الفلسطينيين قاموا بالسابع من أكتوبر ويستحقون ما يتعرّضون له، والزعم أنه لا أبرياء داخل القطاع، ولذلك لا يوجد شيء من نوع “ضرر جانبي”، وأنه في الحروب يُقتل الأبرياء، إلخ. لكن عندما تجرأ أفرهام وشور على تقديم فيلمهما في مهرجان البندقية، وفيه شهادات لجنود وضباط إسرائيليين، قامت ضجة كبرى”.
وتقول “هآرتس” إن حالة الغضب على الفيلم في إسرائيل مردّها إلى أنه فضح “الغسيل الوسخ” في الخارج، ومنح “ذخائر للاسامية”، ومزاعم أخرى تعكس وعيًا محليًا مدهشًا يظهر عدم المتابعة: “فقد حاول المخرجان غسل الغسيل الوسخ في البيت، لكنهما اصطدما بتجاهل تام. من يظن أن العالم كان بحاجة إلى أفرهام وشور كي يعرف أن القتل الواسع في غزة لا مبرّر له وليس أخلاقيًا، فهو مخطئ وغارق في الأوهام”.
راية سوداء
وتؤكد “هآرتس” أن مشكلة إسرائيل ليست في ماكينة دعايتها في العالم، بل في الواقع الذي تنتجه، وترى أن الفيلم هو محاولة من المخرجين لإجبار الإسرائيليين على مواجهة ما يعرفونه من قبل: “يعرفون أن راية سوداء ترفرف فوق إدارة إسرائيل للحرب في غزة، وهذا توصيف ملطّف”.
وتقرّ “هآرتس” بأن الإسرائيليين يفضلون عدم خوض النقاش حول ما شهدته الحرب، فيتمترسون خلف الادعاء أن الضحية تمنح إسرائيل حصانة أخلاقية.
وتخلص الصحيفة العبرية إلى القول إن المخرجين ليسا عضوين في لجنة تزيين صورة إسرائيل أو جزءًا من ماكينة دعايتها، فهما وفيّان لضميرهما ولمهنتهما ويسيران بشجاعة ضد التيار المعكّر القائم على رقابة ذاتية وتواطؤ، وبدلًا من تهديدهما ومهاجمتهما، على الجمهور الإسرائيلي مشاهدة فيلمهما وإدارة نقاش مفقود حتى الآن حول ما فعلناه في غزة.
دعوة لمشاهدة الفيلم
وفي تصريح للإعلام، دعا أفرهام في الليلة الفائتة الإسرائيليين إلى مشاهدة الفيلم أولًا قبل الحكم عليه، مشددًا على أنه سيفعل جلّ جهده كي يُبث الفيلم في إسرائيل أيضًا.
يشار إلى أن مخرجي الفيلم، أفرهام وشور، قد وجّها قبل أيام، وقبيل فوز الفيلم بالجائزة في البندقية، انتقادات للإسرائيليين لصمتهم على جرائم الإبادة في غزة.
وفي مقال مشترك نشره موقع “محادثة محلية” بالعبرية قبل أربعة أيام، قالا إنه في السنوات القادمة، في الحقبة التي تلي وصول نتنياهو إلى السلطة، إن وصل، قد تنأى بعض أطياف التيار الليبرالي في إسرائيل بنفسها عن جرائم غزة، التي ستتضح فداحة فظاعتها لاحقًا، وتنسبها إلى حكومة اليمين المتطرف.
وتابعا: “في هذا شيء من الصحة، فحكومة نتنياهو مسؤولة بالدرجة الأولى عن مقتل أكثر من 73 ألف شخص. إلا أن مرتكبي بعض أبشع وأفظع الأعمال كانوا جنودًا ينتمون إلى قلب التيار الليبرالي: ضباط في المخابرات والقوات الجوية، وهي من أرقى وحدات الجيش”.
ويقولان إن طياري القوات الجوية قد يدّعون أنهم كانوا ينفذون الأوامر فحسب؛ فقد تلقوا اتصالًا، وألقوا القنبلة، وعادوا إلى ديارهم دون أن يعلموا مكان سقوطها.
ومضيا في توجيه الاتهام إلى أوساط أخرى عدا حكومة نتنياهو: “سيدافع جنود المشاة عن أنفسهم قائلين إنهم لم يكونوا يعلمون دائمًا من يستهدفون، وذلك بسبب ضباب المعركة. لكن رجال المخابرات كانوا على دراية أكبر. كانوا الأكثر دراية. فقد سمعوا وقرأوا ورأوا أن المنازل التي كانوا “يدينونها” كانت مأهولة بالعائلات. كانوا يعلمون أن “تصاريح نازا” لا علاقة لها بهدف عسكري ذي قيمة. ومع ذلك، كانوا متواطئين، دون أي رفض أو مقاومة تُذكر”.
لن نرى النور
وفي مقالهما المذكور، قالا إن الفيلم يُظهر كيف يعمل نظام القتل عندما يقوم على فكرة “عدم وجود أبرياء في غزة”، وإنه قد يُصعّب هذا الأمر على المنكرين والمشككين وعلى أولئك الذين يرتاحون للعيش في منطقة رمادية بين المعرفة والجهل بما يحدث على بُعد 60 كيلومترًا جنوب تل أبيب.
واختتما المقال بدعوة الإسرائيليين إلى مشاهدته: “سيُعرض هذا الفيلم لأول مرة في البندقية، وسيُوزع عالميًا، ولكنه موجه أيضًا إلى الداخل، إلى المجتمع الإسرائيلي، وهو أمر مهم بالنسبة لنا أن تتعرفوا عليه، وسنحرص على أن تتمكنوا من مشاهدته. ليس هذا فيلمًا سهل المشاهدة. فقد صُوّر بالكامل ليلًا، في الظلام، ويعكس الظلام الدامس الذي صُنع فيه والذي نعيشه. ولكن بدون نظرة صادقة إلى الماضي والحاضر، وبدون الحديث عما حدث في الظلام، لن نرى النور”.
يشار إلى أن أفلامًا وشهادات إسرائيلية قد نُشرت بعد جرائم وحروب سابقة، منها فيلم “لا أرض أخرى” للمخرج يوفال أفرهام إياه، وشهادات الجنود لصحيفة “هآرتس” بعد حرب “الجرف الصامد” على غزة عام 2014، وغيرها، ومع ذلك استمرت الجرائم بحق الفلسطينيين دون اهتمام بمفاعيلها في العالم.
تضامن مع المخرجين
وقّع أكثر من 200 سينمائي إسرائيلي عريضة للتضامن مع صانعي الفيلم، معتبرين أن التحريض ضدهما “مؤشر على تدهور الخطاب في إسرائيل”.
وضمّت قائمة الموقعين المخرجين آري فولمان، وشلومي إلكابتس، وران تال، وميخال أفيعاد، الذين حذروا من تصاعد حملة التحريض ضد مخرجي الفيلم.
وجاء في العريضة: “في الأيام الأخيرة، شهدنا حملة تحريض وتأليب غير مسبوقة ضد مخرجي الفيلم”.
ودعا الموقعون “كل من لا يزال يناضل من أجل حرية التعبير والإبداع إلى الانضمام إلينا في التعبير عن دعمنا وتضامننا مع شور وأفراهام”.
وانتقد الموقعون ما وصفوه بـ”مهاجمة الفيلم دون مشاهدته”، معتبرين أن انضمام “زملاء وأقلام مرموقة إلى هذا التوجه يمثل مؤشرا واضحا على تدهور الخطاب في إسرائيل”، فضلا عن كونه “يمنح دعما لتهديدات وزير الثقافة ميكي زوهار بسحب جنسية المخرجين”.
وحذروا من أن “الخطاب التحريضي والعنيف تجاه مخرجي الفيلم، الذين تجرؤوا على التعبير عن آرائهم، يجب أن يثير قلق كل واحد منا، بغض النظر عن آرائه ومواقفه”.
وأعرب الموقعون، في ختام العريضة، عن أملهم في عرض الفيلم في إسرائيل قريبا، حتى يتمكن الجمهور من مشاهدته وتكوين آرائه بشأنه، والمشاركة في “نقاش حقيقي من نوعه حول الحرب في غزة وتداعياتها”، معتبرين أن هذا النقاش “لم يجر تقريبا حتى الآن في وسائل الإعلام والمجتمع الإسرائيلي”.

تعليقات الزوار
لا تعليقات