تحت عنوان: “بعد ألسنة اللهب المِقْصَلَة.. تبون يعيد إحياء عقوبة الإعدام في الجزائر”، قالت مجلة “ماريان” الفرنسية إن الجزائر تتجه نحو العودة إلى تطبيق عقوبة الإعدام بعد 33 عاماً من دون تنفيذ أي حكم بالإعدام، وذلك بعدما أعلن الرئيس عبد المجيد تبون عزمه إعادة تفعيل هذه العقوبة بحق من يتسببون في الحرائق العمدية، قبل أن يوسّع نطاقها لاحقاً لتشمل خاطفي الأطفال وقاتليهم، وذلك بعد الحرائق الدامية التي شهدتها الجزائر خلال شهر أغسطس الماضي.
وتابعت “ماريان” أن أحد أبرز الوجوه الإسلامية وأكثرها تشدداً في الجزائر، عبد الله جاب الله، قال: “من يعارض عقوبة الإعدام يعارض الدين الإسلامي”، في موقف جاء رداً على الأحزاب العلمانية والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين عارضوا علناً إعادة العمل بالعقوبة التي تم تجميد تنفيذها في البلاد منذ عام 1993.
وقد أعلن الرئيس عبد المجيد تبون، في 30 أغسطس عام 2026، بشكل علني إعادة التطبيق الفعلي لعقوبة الإعدام بحق “مشعلي الحرائق والحَرّاقين المتعمدين”، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ، وفق ما أُعلن، في منتصف سبتمبر. وهو قرار فاجأ عدداً كبيراً من المراقبين، لاسيما أن الجزائر فرضت وقفاً اختيارياً لتنفيذ عقوبة الإعدام منذ عام 1993، كما شاركت في حملات للأمم المتحدة تهدف إلى حظر هذه العقوبة في التشريعات الوطنية.
وقالت “ماريان” إن حجم حرائق الغابات والخسائر البشرية الفادحة التي خلفتها الكارثة دفع الرئيس الجزائري إلى اتخاذ موقف أراد من خلاله “ضرب المشاعر”، خاصة أنه كان قد تعرض لانتقادات شديدة بسبب عدم إصداره ردة فعل في الساعات الأولى التي أعقبت المأساة. وأضافت أن إعلان تبون أثار حالة من الابتهاج لدى الإسلاميين والمحافظين، الذين طالما جعلوا من إعادة العمل بـ”قانون القصاص” أحد مطالبهم الأساسية، ولا سيما أن هذه العقوبة تحظى بتأييد في بعض النصوص الدينية.
وتابعت المجلة أنه بعدما لاحظ الرئيس أن الإعلان لقي قبولاً لدى عدد كبير من الجزائريين، قرر المضي أبعد من ذلك، إذ أمر، يوم الأحد الـ6 سبتمبر، بتوسيع تطبيق عقوبة الإعدام ليشمل “خاطفي الأطفال والذين يقطعون رؤوسهم“.
وهذا المطلب يعود باستمرار إلى الواجهة عقب كل جريمة قتل لأطفال، رغم أن هذه الجرائم، وفق الإحصاءات، تحدث في الغالب داخل الوسط العائلي أو يرتكبها أشخاص من المقربين للضحايا.
استنكار المعارضة والمنظمات الحقوقية
وأشارت “ماريان” إلى أن قرار إعادة عقوبة الإعدام قوبل بالصدمة داخل الأحزاب العلمانية المعارضة والمنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، إذ لم يفهم كثيرون دوافع هذه الخطوة، لاسيما وأن الجزائر كانت قد قررت طوعاً تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام عام 1993. وكانت السلطات الجزائرية قد استجابت في ذلك الوقت لملاحظات المنظمات غير الحكومية الدولية، التي رأت أن البلاد لم تكن قادرة على ضمان محاكمات عادلة للمدانين بالإعدام.
ونقلت المجلة عن المحامي والناشط السياسي إسلام بن عطية قوله إن الدولة الجزائرية، حتى خلال سنوات الحرب الأهلية، كانت تدرك أنها غير قادرة على ضمان محاكمة عادلة وتوفير ما يكفي من الضمانات لتجنب تنفيذ حكم بالإعدام بحق شخص قد يكون بريئاً.
وأشارت “ماريان” إلى أن آخر عملية إعدام رسمية في الجزائر تعود إلى يوم الـ31 أغسطس عام 1993، ومنذ ذلك التاريخ لم تُنفذ أي أحكام بالإعدام. ورغم أن المحاكم الجزائرية تواصل إصدار أحكام بالإعدام بشكل منتظم، فقد صدر نحو 20 حكماً من هذا النوع خلال عام 2025، فإنها لا تُنفذ، بل يجري تحويلها إلى أحكام بالسجن المؤبد، من دون إمكانية الاستفادة من عفو رئاسي أو تخفيض مدة العقوبة.
رفض واسع من المعارضة والمنظمات الحقوقية
وقد رفضت جميع أحزاب المعارضة والعلمانية القرار، بما في ذلك جبهة القوى الاشتراكية التي نقلت “ماريان” عن أمينها الوطني الأول، قوله إن موقف الحزب واضح، وإن الأمر يتعلق بمسألة مبدئية لا يمكن التخلي عنها تحت أي ظرف، لأن إعادة تنفيذ العقوبة تمثل، من جميع الجوانب، تراجعاً خطيراً في مجال حقوق الإنسان وفي التزامات الجزائر بهذا الشأن.
وأضاف أن التشريعات لا ينبغي أن تُسن تحت تأثير الانفعال والعاطفة.
وفي السياق ذاته، نقلت المجلة عن الناشط الحقوقي سعيد صالحي، المقيم في المنفى ببلجيكا منذ عام 2022 هرباً من موجة الاعتقالات في بلاده، قوله إن مثل هذا التصور للعدالة أقرب إلى منطق الانتقام وممارسات تنتمي إلى عصر آخر منه إلى دولة القانون والديمقراطية.
مخاوف من أخطاء قضائية لا يمكن إصلاحها
وتابعت “ماريان” التوضيح أن بعض المنظمات الحقوقية لا تكتفي برفض عقوبة الإعدام من حيث المبدأ، بل تخشى أيضاً من وقوع أخطاء قضائية تكون عواقبها قاتلة، خصوصاً في ظل ما وصفته المجلة بأن العدالة الجزائرية “بعيدة عن أن تكون نموذجية”، وأن المحاكمات التي تجري فيها تكون في كثير من الأحيان سريعة.
ونقلت عن منظمات جزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان قولها في بيان إن تنفيذ حكم الإعدام لا يمكن إصلاح نتائجه، وإن القضاء يكون أكثر عرضة للخطأ عندما تجري المحاكمات في ظروف استعجالية ويكون هناك ضغط للعثور على مذنبين.
الإسلاميون: “نزوة غربية”
وتابعت “ماريان” موضحة أن الإسلاميين ينظرون إلى الجدل من زاوية مختلفة، إذ ينددون بما يعتبرونه “نزوة غربية” وبالابتعاد عن “القيم الإسلامية”، في بلد ينص دستورياً على أن الإسلام هو دين الدولة.
ولإعطاء قرار إعادة عقوبة الإعدام بعداً عملياً، أعلنت الأجهزة الأمنية، يوم الخميس 10 سبتمبر، توقيف عدد من الشبان الذين وصفتهم بـ”مشعلي الحرائق”، والذين “اعترفوا بإضرام النار عمداً” في منطقة جيجل شرقي الجزائر. وقد يكونون، على الأرجح، أولى الحالات المرشحة لتنفيذ أحكام الإعدام في حال دخل القرار الجديد حيز التطبيق فعلياً.

تعليقات الزوار
لا تعليقات