أخبار عاجلة

جون أفريك: هل التصعيد الجزائري- الإماراتي قطيعة دائمة أم صراع النفوذ الإقليمي

قالت مجلة “جون أفريك” الفرنسية إن حالة العداء بين الجزائر وأبوظبي أصبحت أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، بعد خلافات دبلوماسية متصاعدة بشأن المغرب وإسرائيل وليبيا ومنطقة الساحل، قبل أن تصل الأزمة إلى حد إعلان الجزائر رسمياً قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات.

الجزائر أعلنت يوم الخميس إنهاء علاقاتها الدبلوماسية مع أبوظبي، في خطوة وضعت حداً لعلاقة كانت تُقدَّم لسنوات على أنها وثيقة ومميزة بين البلدين. واللهجة التي استخدمتها السلطات الجزائرية في بيانها الرسمي كانت شديدة، إذ اتهمت الإمارات بـ”تعدد التصرفات الاستفزازية أو العدائية”، مشيرة إلى أن الجزائر، رغم ذلك، أبدت “قدراً كبيراً من ضبط النفس وإحساساً عالياً بالمسؤولية”، قبل أن تؤكد أن التحذيرات المتكررة التي وجهتها إلى أبوظبي لم تؤدِّ إلى تغيير سلوكها.

قررت الجزائر هذه المرة الانتقال من التحذير إلى الفعل، بعدما خلصت إلى أن ما تصفه بـ”الأعمال العدائية” الإماراتية تجاوز “الحدود المقبولة أو القابلة للتحمل” بين دولتين ذات سيادة، حيث طلبت من السفير الإماراتي مغادرة الأراضي الجزائرية خلال 48 ساعة.

المغرب وإسرائيل في قلب الخلاف

وأوضحت المجلة أن الخلاف بين الجزائر وأبوظبي ليس وليد اللحظة، بل تراكم على مدى سنوات، مشيرة إلى أن أبرز نقاط التوتر ترتبط بالمغرب، ولا سيما موقف الإمارات من قضية الصحراء الغربية.

كما تنظر الجزائر بامتعاض شديد إلى التقارب الإماراتي المغربي، لا سيما بعد دعم أبوظبي لموقف الرباط بشأن الصحراء الغربية وافتتاح قنصلية إماراتية في مدينة العيون. وهي خطوات شكلت، من وجهة نظر الجزائر، تحولاً عدائياً في السياسة الإماراتية، وفق “جون أفريك”.

وتابعت المجلة أن ملف إسرائيل يمثل بدوره نقطة خلاف جوهرية، بعدما اختارت الإمارات تطبيع علاقاتها مع إسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام، في وقت تتمسك فيه الجزائر بموقف شديد الرفض تجاه إسرائيل وتتبنى خطاباً داعماً للقضية الفلسطينية.

الخلاف يمتد إلى ليبيا والساحل

كما أن الخلافات بين البلدين لا تقتصر على المغرب وإسرائيل، بل تمتد أيضاً إلى ليبيا، حيث تدعم الإمارات المشير خليفة حفتر، بينما تقف الجزائر إلى جانب حكومة طرابلس، توضح “جون أفريك”، معتبرة أن هذا الملف يحمل أهمية إستراتيجية بالنسبة للجزائر، التي تنظر إلى الدعم الإماراتي لحفتر، بما في ذلك الدعم المالي والعسكري، باعتباره تدخلا من قوة إقليمية في محيطها المباشر، وتهديداً محتملاً لمصالحها الأمنية والإستراتيجية.

وأيضاً، أصبحت منطقة الساحل بدورها محوراً أساسياً في التوتر بين البلدين، إذ تتهم الجزائر الإمارات بتوسيع نفوذها في المنطقة، بل والوقوف وراء دعم مجموعات جهادية تنشط بالقرب من الحدود الجزائرية، فضلاً عن اتهامات مرتبطة بدفع فديات مقابل الإفراج عن رهائن.

اتهامات متبادلة وتصعيد إعلامي

وأشارت المجلة إلى أن العلاقات الجزائرية الإماراتية شهدت محطة جديدة من التوتر في يونيو عام 2023، عندما أعلنت قناة “النهار” الجزائرية عن طرد السفير الإماراتي، زاعمة اكتشاف شبكة تجسس مرتبطة بإسرائيل داخل السفارة الإماراتية.

لكن وزارة الخارجية الجزائرية سارعت إلى نفي هذه المعلومات، في حين عادت وسائل إعلام جزائرية بعد أشهر إلى الحديث عن تمويل إماراتي لحملات إعلامية مغربية تستهدف الجزائر، من دون تقديم أدلة علنية على ذلك.

ورأت “جون أفريك” أن تراكم هذه الاتهامات ساهم في ترسيخ صورة الإمارات، داخل جزء من الرأي العام الجزائري، باعتبارها أحد أبرز الخصوم الإقليميين للجزائر. وقد شكل اجتماع المجلس الأعلى للأمن في الجزائر، في يناير عام 2024، محطة أخرى في مسار التصعيد، بعدما ناقش، من بين ملفات أمنية أخرى، ما وصفته السلطات بـ”الأعمال العدائية” التي تقوم بها دولة لم يتم ذكر اسمها صراحة، لكن وسائل الإعلام والمتابعين اعتبروا أن المقصود بها الإمارات.

لهجة أكثر حدة تجاه أبوظبي

وتابعت “جون أفريك” أن الخلاف بلغ مستوى جديداً في مايو عام 2025، إثر تصريحات المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث لقناة “سكاي نيوز عربية”، التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، والتي أثارت جدلاً واسعاً في الجزائر بسبب مواقفه من الهوية الأمازيغية، قبل أن يتم توقيفه وسجنه.

واعتبرت المجلة أن القضية تحولت في الجزائر من مجرد جدل تاريخي إلى مواجهة سياسية وإعلامية، بعدما وُجهت اتهامات إلى أبوظبي بمحاولة المساس بتاريخ الجزائر وهويتها ووحدتها الوطنية. فقد صعّدت وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية بدورها من لهجتها تجاه الإمارات، معتبرة أن الخطاب المستخدم تجاوز هذه المرة الأعراف المعتادة في العلاقات الدبلوماسية.

دولة صغيرة وتأثيرها سلبي

وجاءت آخر حلقات التصعيد في شهر يوليو الماضي، عندما أدلى الرئيس عبد المجيد تبون بتصريحات اعتُبرت رسالة مباشرة إلى الإمارات، قائلاً إنه يتحدث أحياناً عن “دولة صغيرة” بسبب تأثيرها السلبي، مضيفاً أن “الدم يسيل حيثما تضع قدمها”، ومؤكداً أن لدى الجزائر أدلة على ذلك.

وعليه، اختارت الجزائر في نهاية المطاف قطع ما تبقى من قنوات العلاقات الرسمية مع أبوظبي، بعد سنوات من التوتر المتراكم والاتهامات المتبادلة والتحذيرات المتكررة؛ وذلك في انتظار ما إذا كانت “الأدلة” التي تحدث عنها الرئيس تبون ستظهر إلى العلن، وما إذا كان هذا التصعيد سيمثل قطيعة دائمة أم مجرد مرحلة جديدة في صراع النفوذ الإقليمي بين البلدين، تقول “جون أفريك”.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات