تابع المراقبون تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أمام وسائل الإعلام الجزائرية بذهول كبير، فلم يحدث أن ظهر بهذا المستوى من الغضب والانزعاج، حتى إنه لم يستطع أن يخفي ذلك في المفردات التي استعملها، ولا في ملامح وجهه.
لكن السؤال الذي ظل مطروحا هو سبب هذا الغضب وخلفياته، والجهة التي استهدفها، وأي جمهور كان يخاطب: الداخل أم الخارج؟
تضمنت هذه التصريحات الغاضبة موضوعين اثنين، حرص الرئيس الجزائري أن يتعاطى معهما بشكل إشاري، من غير تفصيل، لكن برسائل سياسية قصد بها بالدرجة الأولى جمهور الداخل لا الخارج.
الموضوع الأول يخص مشكلات واجهت مشروع خط أنابيب الغاز النيجيري العابر للصحراء (النجير-الجزائر- أوربا)، والموضوع الثاني يخص الاستقرار في تونس.
في الموضوع الأول، قال الرئيس الجزائري بأن الجزائر غير معنية بالغاز النيجيري لأنها تمتلك غازها، وأن انخراطها في هذا المشروع كان لاعتبار مبدئي يتعلق بإرادة جزائرية لترجمة مبادئها في مساعدة الدول الإفريقية على التنمية.
وفي الموضوع الثاني، جاءت تصريحاته تهديدا مباشرا لمن يريد أن يهدد استقرار تونس، مشيرا بشكل صريح أن الجزائر ستتدخل عسكريا في هذه الحالة.
لم يسم الرئيس الجزائري الجهة التي تهدد أمن تونس، أو بالأحرى تلعب في تخوم الحدود الجزائرية لتهديد الأمن القومي الجزائري، لكن من الواضح أن استعماله لأسلوب التصغير في الموضوع الأول بالإشارة إلى «دويلة» هكذا دون تسمية، يرمز بشكل واضح إلى المغرب.
في الموضوع الأول، لم يقدم الرئيس الجزائري أي توضيح عن مصير المشروع النيجيري الجزائري (خط أنبوب الغاز العابر للصحراء)، وهل صدر قرار نيجيري نهائي يعلق هذا المشروع وينعطف كلية إلى المشروع النجيري المغربي المار من اثنتي عشرة دولة إفريقية. فقط اكتفى بالقول بأن نيجيريا إن اختارت أن تمد أنابيبها إلى أوربا عبر المشروع المغربي، فإن الأمر لا يمثل خسارة بالنسبة إلى الجزائر، لأن الجزائر تملك غازها وغير محتاجة لمصادر الطاقة النيجيرية، أي أنه كان بصدد توجيه خطاب إلى الداخل ليمتص أي انتقادات مفترضة للسياسة الخارجية الجزائرية التي دخلت في حمى منافسة شرسة مع المغرب على نيل هذا المشروع الضخم، وإلا إذا كانت الجزائر غير معنية بأي ربح من هذا المشروع، فما السبب الذي جعلها تقرر أن تقتسم مع نيجيريا كلفة نقل ما بين 20 إلى 30 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي إلى أوروبا على مدى 4 آلاف و128 كيلومترا، بقيمة 13 مليار دولار، وتعهدت شركة «سوناطراك» الجزائرية بإطلاق الأشغال الأولية لمد الأنبوب عبر الأراضي النيجيرية.
لم يكشف السيد عبد المجيد تبون عن خلفيات هذا التصريح، لكن التطورات الأخيرة التي حصلت في مسار أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي، تبين ذلك بشكل واضح، فقد وقعت الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) الأحد 19 يوليوز الجاري خلال قمة رؤساء دول وحكومات المجموعة بفريتاون، عاصمة سيراليون، اتفاقاً حكومياً دولياً يؤطر تطوير هذا الأنبوب، ووضعت بذلك الأساس لتأسيس شركة المشروع واستقطاب المستثمرين لتنفيذ المشروع بشكل نهائي.
البيان الصحافي المشترك الذي صدر عن المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن في المغرب والشركة الوطنية النيجيرية للبترول يقول بأن مقر الشركة سيكون بالدار البيضاء، وأن هيئة عليا لخط أنبوب الغاز سيتم تأسيسها وسيكون مقرها بابوجا وستتولى حوكمة المشروع.
في الموضوع الأول، واضح أن سبب غضب الرئيس الجزائري هو فشل سياسته الخارجية في منافسة المغرب في الظفر بمشروع أنبوب الصحراء، ولذلك، كان القصد بالدرجة الأولى هو استباق الانتقادات الداخلية ومحاولة احتوائها. لكن في الموضوع الثاني، يبدو الأمر مفارقا، فالأمر – كما يبدو- يتعلق بالحالة التونسية، التي تشهد تطورات لافتة على إيقاع أزمة اقتصادية خانقة، وأزمة تموين ومياه، لم تشهد تونس لها مثيلا من قبل، فضلا عن مأزق حقوقي، تورطت فيه الدولة بسبب وضعية قادة أحزاب معارضين داخل السجون، لم يتم تمكين أهليهم وذويهم من زيارتهم والاطمئنان على حالهم، فضلا عن اندلاع احتجاجات اجتماعية تشبه الشرارة التي أطلقها البوعزيزي، فضلا عن تصريحات للرئيس الأسبق، منصف المرزوقي، الذي تحدث لوسائل الإعلام عن سيناريوهات الوضع في تونس، وذكر منها سيناريوهين مزعجين للجزائر، انقلاب على شاكلة انقلاب الجنرال بن علي على بورقيبة، أو سيناريو بوعزيزي 2.
لم يشر الرئيس الجزائري إلى أي تفصيل يخص الوضع في تونس، بل وصف السيناريو الذي ستتصدى له الجزائر بكل قسوة (تدخل عسكري) بـ»الإرهاب»، لكن من الواضح أن التطورات التي تحصل في تونس في تقدير صانع القرار الجزائري تمثل تهديدا للأمن القومي الجزائري، فالسلطة الجزائرية تنظر إلى الرئيس الأسبق التونسي، منصف المرزوقي، بوصفه تعبيرا عن مصالح دولتين معاديتين للجزائر هما فرنسا والمغرب، فهي تعتقد أن علاقات المرزوقي بباريس والرباط وطيدة، وتعتبر أن الحراك الذي يجري في تونس ليس حراكا داخليا، وإنما يحرك بأياد خارجية، ويهدف إلى تحقيق هدفين: استكمال عزل الجزائر في محيطها الجغرافي والإقليمي، إذ لم يعد لها في واقع الأمر إلا رئة واحدة موثوقة تتنفس منها هي تونس، بعد أن دخلت في توتر مع أغلب دول حدودها (المغرب، ليبيا، مالي، النيجر) فيما تعرف علاقتها بنواكشوط تقلبات لا تبعث على الاطمئنان. والثاني، هو مد الحراك الاحتجاجي إلى الجزائر، وجعل السلطة السياسية بالبلاد رهينة ضغط خصومها (فرنسا، والمغرب).
يبقى السؤال في الموضوع الثاني، وهو لمن وجهت لغة التهديد، والتي تعني بشكل واضح وصريح التدخل العسكري، هل لخصوم الجزائر (الخارج) أم للداخل التونسي؟
من الواضح أن الحديث عن دور مغربي في تونس هو أقرب إلى الخيال، ثم إن الرئيس الجزائري ذكر المغرب بصيغة التصغير «دويلة» حين تحدث في الموضوع الأول الذي يعلم الجميع منه أن الأمر يتعلق بتنافس جزائري مغربي على المشروع النيجيري لمد أنابيب الغاز إلى أوروبا، في حين لم يذكره في الموضوع الثاني. ومن المستبعد جدا أن تكون لغة التهديد موجهة لفرنسا، فالجزائر تعرف حجمها العسكري، ولم يحدث في تاريخ الخطاب الدبلوماسي الجزائري أن استعمل التهديد العسكري في وجه فرنسا.
الأقرب إلى التفسير أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وجه التهديد إلى الداخل التونسي، مشهرا الورقة الحمراء في وجه كل من يسعى إلى تغيير نظام قيس سعيد، بسيناريو لا يخدم الأمن القومي الجزائري، وأن استعماله للفظة «الإرهاب» مقصود لجر مصر إلى مربع الدعم، ومحاولة إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بشرعية التدخل العسكري في حال حصول موجباته، وفي الآن ذاته، توظيف وركوب على «تحذيرات» غربية وإسرائيلية صدرت عن صناع قرار في واشنطن وتل أبيب من احتمال عودة «الإسلام السياسي» للحكم.
التونسيون فهموا الرسالة بشكل واضح، ولذلك لم يتردد مختلف الطيف السياسي والمدني في اعتبار تصريحات الرئيس الجزائري تدخلا في الشأن الداخلي التونسي، وحماية لنظام استبدادي، يعتبرونه سبب كل مآسيهم.
بلال التليدي

تعليقات الزوار
لا تعليقات