فتح الرئيس التونسي قيس سعيّد باب المساءلة بشأن الانقطاعات المتزامنة والمتكررة للكهرباء، بعدما وصف ما حدث في مناطق عدة من البلاد بأنه "أمر غير طبيعي"، متوعدا بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الإخلالات.
وجاء موقف سعيّد خلال زيارة إلى مجمع مياه غدير القلة في المرناقية، غربي العاصمة، في وقت تواجه فيه تونس أزمة مزدوجة في إمدادات الكهرباء والمياه، وسط موجة حر غير مسبوقة رفعت الاستهلاك إلى مستويات قياسية.
غير أن الأزمة التونسية لا يمكن فصلها عما وقع في الجزائر، التي ترتبط بها تونس عبر شبكة كهربائية إقليمية وتستورد منها جزءا مهما من احتياجاتها، خصوصا خلال ساعات الذروة.
فقد أكد المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، فيصل طريفة، أن الاضطرابات نتجت عن تزامن ثلاثة عوامل، الحرارة الاستثنائية، والارتفاع القياسي للطلب الداخلي، ثم عطل فني وقع في الجزائر وأثر في كميات الكهرباء المتبادلة بين البلدين.
وسجل العطل الجزائري الأبرز ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء، بعدما أصاب منشأة كهربائية استراتيجية في منطقة سيدي عقبة بولاية بسكرة. وتسبب الحادث في انقطاع واسع شمل 16 ولاية، خصوصا في شرق الجزائر وأجزاء من وسطها، قبل أن تعلن السلطات إعادة التيار نحو الساعة الرابعة صباحا.
وأرجع وزير الطاقة الجزائري موراد عجال الحادث إلى الحرارة الشديدة والرطوبة المرتفعة، اللتين تسببتا في خلل تقني أعقبه تذبذب متسلسل داخل الشبكة بسبب ترابط مكوناتها.
ولا تتوفر، إلى حدود الآن، حصيلة رسمية وطنية جامعة لعدد جميع الانقطاعات المحلية التي شهدتها الجزائر خلال موجة الحر، لكن المؤكد أن الحادث الرئيسي أصاب 16 ولاية دفعة واحدة، إلى جانب أعطال واضطرابات محلية سُجلت قبل ذلك في مناطق من تيزي وزو ومدن ساحلية وداخلية، وهو ما يعني أن الأمر لا يتعلق بانقطاع محدود في حي أو مدينة، بل بعطل واسع كشف قدرة خلل واحد في منشأة محورية على إحداث تأثير متسلسل داخل الجزائر، ثم تقليص الإمدادات المتاحة لتونس.
وتربط البلدين خمس وصلات كهربائية، تتراوح قوتها بين 90 و400 كيلوفولت، من بينها خطوط تاجروين-العوينات، وفرنانة-القالة، والمتلوي-جبل العنق، إضافة إلى خط جندوبة-الشفية ذي القدرة الأكبر.
وتقر وزارة الطاقة التونسية بأن هذا الربط يسمح بتبادل الكهرباء خلال فترات الذروة، وأن الاعتماد عليه مكّن تونس في السابق من تجنب بعض الاستثمارات التي كان يفترض إنجازها لمواجهة أعلى مستويات الطلب.
وهذه المعطيات تفسر سرعة انتقال أثر الأزمة الجزائرية إلى الجانب التونسي. فبحسب المرصد الوطني التونسي للطاقة والمناجم، غطت مشتريات الكهرباء، القادمة أساسا من الجزائر، نحو 11 بالمئة من حاجيات السوق المحلية إلى نهاية نوفمبر 2025.
وفي يناير 2026 ظلت الواردات الجزائرية تغطي قرابة 8 بالمئة من الاحتياجات، رغم ارتفاع الإنتاج الوطني التونسي، وعندما تفقد تونس جزءا من هذه الإمدادات في توقيت تتجاوز فيه الحرارة 45 درجة، يصبح اللجوء إلى القطع الدوري وسيلة لتفادي انهيار شامل للشبكة.
أما في الجزائر، فقد كانت مؤشرات الضغط واضحة قبل بداية الصيف، حيث توقعت شركة سونلغاز ارتفاع الطلب خلال صيف 2026 بما يتراوح بين 3.5 و7 بالمئة، بحسب شدة الحرارة.
وسجلت البلاد في يوليو 2025 ذروة تاريخية بلغت 20 ألفا و628 ميغاواط، مقابل 19 ألفا و543 ميغاواط في الفترة نفسها من 2024، كما ترتفع كهرباء المنازل بنحو 40 بالمئة صيفا بسبب أجهزة التكييف، فيما يكاد الطلب الوطني يتضاعف مقارنة بالأشهر المعتدلة.
واتساع رقعة الانقطاع يطرح أسئلة حول فعالية توجيه الاستثمارات، ومدى تحديث المنشآت الحساسة، وتوفير مسارات بديلة لنقل الطاقة، وتعزيز أنظمة الحماية من الحرارة، ورفع قدرة الشبكة على عزل الأعطال قبل انتشارها عند تعطل منشأة واحدة، دون سقوط 16 ولاية وتأثر بلد مجاور.
في الجهة المقابلة، تجد تونس نفسها رهينة الاعتماد المتزايد على الواردات عوض بناء احتياطي إنتاج محلي كافٍ، و وهو ما جعل المنظومة التونسية شديدة الحساسية لأي اضطراب خارجي، كما أن إنتاج الكهرباء في البلاد لا يزال يعتمد بنسبة تقارب 94 بالمئة على الغاز الطبيعي، بينما لم تتجاوز مساهمة الطاقات المتجددة 6 بالمئة مطلع 2026، وهو تنويع محدود لا يوفر مرونة كافية خلال الأزمات.
وأمام استمرار القطع بين 30 و45 دقيقة في المناطق ذات الضغط المرتفع، طالب الاتحاد العام التونسي للشغل بمصارحة المواطنين وإطلاق برنامج إصلاحي بآجال واضحة، وتضاعفت حدة الأزمة بسبب اضطراب المياه، إذ تلقى المرصد التونسي للمياه 423 بلاغا خلال يونيو 2026، بينها 374 بلاغا عن انقطاعات واضطرابات غير معلنة، فضلا عن 20 حالة تسرب و23 تحركا احتجاجيا.

تعليقات الزوار
لا تعليقات