أخبار عاجلة

الأرشيف والبحث التاريخي في الجزائر

يحيل مصطلح الأرشيف في التجربة الجزائرية إلى بنايات حفظ الوثائق التي تعود إلى حقبة الاستعمار الفرنسي في الجزائر. والأرصدة الوثائقية كافة، سواء التي صدرت في الجزائر، أو في فرنسا، هي اليوم المادة التاريخية التي يشتغل عليها الجزائريون في دراساتهم وبحوثهم، على اختلاف ميادين تخصصاتهم في العلوم الإنسانية والاجتماعية والعمرانية والفنية. وأهم البنايات التي يوجد فيها الأرشيف في الجزائر، كل العمالات والبلديات الفرنسية في الجزائر، علاوة على بناية الأرشيف الوطني والمكتبة الوطنية، وما يماثلهما في فرنسا، فضلا عن أهم بناية في حقل تاريخ الوجود الفرنسي في الجزائر المستعمرة، هو مركز أرشيف ما وراء البحار، الموجود في مدينة آكس – آن- بروفانس (مارسيليا).
والحديث اليوم عن أهمية الأرشيف، أقوى من أي وقت مضى في كتابة التاريخ وتهيئة البرامج العمرانية، والاستفادة من الوثائق، التي يمكن أن تُوصِل الماضي بالحاضر وربطهما بالمستقبل، في لحظة معاصرة فورية ثلاثية الأزمنة، إذا جاز التعبير. فقيمة الأرشيف وأهميته، يظهر أول ما يظهر في الوعي العمومي به كلازمة من لوازم حسن تدبير وتسيير مؤسسات الدولة ومُدُنها ومنشآتها العمرانية. كل أرشيف الحقبة الاستعمارية يَرْتَد اليوم على الجزائر والجزائريين، في كتابة التاريخ وتهيئة المعالم والحواضر والمواقع التي تؤكد حقيقة الشعب والأمة والدولة، لأن الاستقلال الحقيقي يَتَمَثّل في القدرة على الحفظ والصيانة والنَّجاعة، وليس في الإهمال والإغفال واللامبالاة على ما هو حاصل في الدراسات التاريخية في الجامعات، وعلى ما هو حاصل في التخطيط للمدن وطريقة إنجازها المتَوَرّم. الأرصدة الوثائقية التي تَحْتَفظ بها بنايات الأرشيف، هي دليل قوي على وجود أمة ومجتمع وشعب وإقليم استعصى على الاستكانة إلى الاحتلال واستغلال الأجنبي له. فقد كانت الجزائر، على ما هي من حضارة ومدنية وريف ونمط حياة وتاريخ طويل وتراث متداول، يُفْصح عن خاصية مختلفة عن محتل فرنسي لم يتمكن من أن يَحَل مَحَل الإنسان الأهلي ولا المجتمع المحلي ولا البلد الأصلي. ولعلّ الذي يثبت ذلك بشكل دامغ هو، الأرشيف النائم في أروقة بنايات الأرشيف وعلى رفوفها.

وغياب الوعي بقيمة الأرشيف في تحصين مؤسسات الدولة وسلطاتها، هو الذي يجعلنا لا نتفطن له بعد، بسبب التخلف الجوهري الذي نعاني منه، وهو ردم الصلة بين الإنجاز والأرشيف. فعندما لا يستند مشروع تنمية إلى أرشيف، يفقد فورا إمكانية التواصل والحياة الطويلة، والتاريخ كما هو معروف يعتمد في الأساس على الزمن، أو الأمد الطويل، كما أخبرتنا الحضارات البشرية كلها، إلى تلك القائمة في الزمن المعاصر، الذي صار يعصمها من الاضمحلال، ولو بأسلحة الدمار الشامل على ما تفعل أمريكا وإسرائيل.
الأرشيف كوثائق تاريخية هو مصدر للكتابة التاريخية، يتعامل معها الباحث كحاجة المجتمع إلى عدم نسيان الماضي. وبمعنى أقرب إلى الفهم، أن الأرشيف ليس كما يقال فقط ذاكرة الأمة، بل إن البحث والتحليل والمعالجة التاريخية للأرشيف، هو الذي يجعل الأرشيف فعلا ذاكرة الأمة ويساعدها على امتلاك دائم لماضيها، ولا يَدَعْه يمضي. أما الأرشيف المحفوظ فقط لمجرد الحفظ، فهو في عداد الأرشيف الميَّت أو ينتظر الموت، أي الإتلاف والضياع. وعليه، فالبحث العلمي والتاريخي هو الذي يضفي القيمة والاعتبار على الأرشيف عندما يقيم معه علاقته المباشرة والحيوية. فأمام الوثيقة التاريخية التي تحوّلت إلى أرشيف، يقف الباحث على مسافة زمنية ونقدية منها، بمعنى أنه يدرك أن الوثيقة المراد التعامل معها تنتمي إلى عصر غير عصره، أي إلى تاريخ سابق، وأن الوثيقة التاريخية تحمل ثقافة ذلك العصر، ومن ثم يجب التعامل معها بنقد وتحليل وإعادة فحص وتمحيص. فوفق ما يعرفه الباحث، أن منهجية التعامل مع الوثائق التاريخية وأسلوب مقاربتها هو النقد الذي يعتمد قراءة الوثائق في سياقها التاريخي ومدلولاتها اللغوية وانتمائها الثقافي.
نأخذ على سبيل المثال، نظام تصنيف إدارة الحكومة العامة في الجزائر، فنجده قائما على حالة من التَّمييز، تعكس الوضع الاستعماري الفرنسي في الجزائر. فقد جرى تصنيف الأرشيف المتعلق بالجزائريين المسلمين ضمن خانة وضعية الأهالي التي ترصد نشاطهم الاجتماعي، حياتهم الدينية وصلتهم بالقضاء المدني والشرعي، وظيفتهم في المؤسسات الإدارية والعسكرية، فضلا عن نشاط الأحزاب السياسية والجمعيات والنوادي الثقافية والمهنية والرياضية والدينية… فهذا النوع من التصنيف هو الذي يكشف الحالة الاستعمارية بأكثر من دليل واضح وبيّن. فقد أنشأت السلطة الفرنسية في الجزائر مصالح داخل العَمَالات الثلاث، وهران، الجزائر وقسنطينة، من أجل متابعة تَحَرُّكات ونشاطات الأهالي كمجال مفارق وبعيد عن الحركة الديناميكية لمؤسسات الدولة وأجهزتها. وباعتبار أن الوثيقة هي نتيجة لنشاط معيّن أو موقف محدَّد، فهي تعكس بالتالي نشاطا لأهالي معزولين عن الإطار العام لمؤسسات الدولة الفرنسية في الجزائر، حتى لو عاند الخطاب الاستعماري، واعتبر الجزائر مجال تنمية للجميع. ولمزيد من التوضيح، في أحد التقارير التي رفعتها مصالح أمن ناحية الجزائر إلى جهات مسؤولة حول المؤتمر/ الاجتماع العام الذي عقدته جمعية العلماء يوم 28 سبتمبر 1936، تحت رئاسة الشيخ ابن باديس، الذي تناول كلمة الافتتاح وقال فيها: «إن جمعية العلماء هي بمثابة الطبيب الذي يشفي المريض، وهي تشفي المجتمع وتعيد للشعب المسلم مجده التليد.. للشعب العربي ماضٍ ويجب أن يكون له مستقبل، ولا يبقى عرضة للجهل. على المسلمين أن لا يصغوا لرعاة الضلالة من أهل الطرق والبدع الذين يعملون دائما على دك الفتنة والشقاق في الأمة واستغلالها». هذه الكلمة للشيخ عبد الحميد بن باديس تقرأ قراءة تاريخية في صلة جمعية العلماء بالوضع العام، وليس ضده في المطلق. بمعنى أن الإدارة الفرنسية تعاملت مع ابن باديس كشخصية تنتمي إلى عائلة أعيان قسنطينة، وتعاملت معه بالذات كمصلح في المدينة، اعتراف بوجود مُصْلح في مدينة قسنطينة ذات المكانة التاريخية والعُمْران الحديث، بكل ما تتوفر عليه من مرافق وخدمات ومؤسسات، هو إقرار بإمكانية بث النشاط الإصلاحي كنشاط «وطني» يطال كل الأمة، يرتقي إلى الفعل العام ويتخطى نمط التَّدين الطرقي ويتعالى على المذهبيات والنزعات الطائفية.
كان ابن باديس مصلحا في المدينة بكل ما ينطوي عليه الإصلاح من دين وسياسة ومدنية، وتجاوب مع هذا الوضع بالمستوى والقدر ذاتهما الذي توحي به الحياة في المدينة، خاصة على صعيد احترام اللوائح والقرارات والمراسيم التي كانت تصدرها السلطة كضوابط النظام العام. فقد تصرَّف ابن باديس بناء على ما تمليه الحياة في المدينة، وعلى ما تقتضيه من معاني الإصلاح الديني والمدني. وطوال نضاله الإصلاحي لم يُبعد ولم يُسجن أو يُعتقل، بل كان دائما مسالما متعَقِّلا ولم يكن مطلقا مشاغبا أو ثائرا، بل كان يدرك عن وعي عالٍ أن مشروعه الإصلاحي يمكن أن يمر عبر مؤسسات الدولة وليس ضدها، إذا ما احترمت السلطة بطبيعة الحال مبرر ومقتضى وجود الدولة ذاتها.
ما يمكن أن ننتهي إليه في هذا المثال، أن الأرشيف يَحفِظ إمكانية قراءة التاريخ وسياقاته المختلفة والمتنوِّعة وما يمكن أن يثيره من فهم متحوّل مع رصيد المعرفة وقدرة اكتشاف الوثائق القديمة / الجديدة على النحو الذي تزخر به بنايات المحفوظات والأرشيف حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر وفترة وجود الجزائريين في فرنسا.

 د. نورالدين ثنيو

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات