في لحظة إقليمية مشحونة بالتحولات، لم يعد التنسيق العسكري بين موريتانيا والجزائر ترفاً دبلوماسياً أو مجرد استمرارية لعلاقات حسن الجوار، بل تحوّل إلى خيار استراتيجي تفرضه معادلات ميدانية متسارعة، عنوانها الأبرز: الانفلات الأمني في مالي، وتآكل منظومة الترتيبات الإقليمية التي حكمت منطقة الساحل خلال العقد الماضي.
ولم يكن اللقاء الأمني التنسيقي الأول لسنة 2026، الذي احتضنته مدينة تندوف مؤخراً، بين وفدين عسكريين رفيعي المستوى من البلدين، حدثاً عادياً في أجندة التعاون الثنائي. فمشاركة قائد المنطقة العسكرية الثانية من الجانب الموريتاني، وقائد القطاع العملياتي الجنوبي من الجانب الجزائري، تعكس انتقال التنسيق من مستوى التخطيط المركزي إلى مقاربة ميدانية أكثر التصاقاً بالواقع الحدودي.
وتوحي النقاشات التي دارت حول تطوير آليات التنسيق الأمني المشترك بأن الطرفين لم يعودا يكتفيان بتبادل المعلومات، بل يتجهان نحو بناء منظومة عملياتية متكاملة، قوامها الاستباق، والانتشار المنسق، وربما التدخل المتوازي عند الضرورة.
ويتأسس جزء مهم من ديناميكية التنسيق العسكري الموريتاني الجزائري الحالية على الزيارة المفصلية التي أداها الفريق أول السعيد شنقريحة إلى نواكشوط في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، والتي شكلت نقطة تحول من التعاون التقليدي إلى شراكة أكثر هيكلة وعمقاً. ومنذ تلك الزيارة، بدأ الانتقال العملي نحو تفعيل هذا التعاون على مستوى المناطق العسكرية الحدودية، حيث بات قادة هذه المناطق يشكلون الحلقة التنفيذية لهذا التفاهم الاستراتيجي، عبر تنسيق ميداني مباشر يعكس ترجمة فعلية لمخرجات زيارة شنقريحة من مستوى الاتفاقات إلى مستوى العقيدة العملياتية المشتركة.
دينامية متصاعدة
وتأتي هذه الخطوة لتكون امتداداً لمسار متسارع من اللقاءات والزيارات العسكرية المتبادلة، من بينها زيارة وفد عسكري موريتاني رفيع إلى الجزائر نهاية مارس الماضي، واجتماعات الأركان التي خُصصت لتقييم الأنشطة المشتركة والتخطيط للمرحلة المقبلة. كما أن الزيارة التي قام بها المدير المركزي لأمن الجيش الجزائري إلى نواكشوط، وما رافقها من جلسات عمل مع قيادة الاستخبارات العسكرية الموريتانية، تكشف أن التعاون لم يعد محصوراً في الجوانب التقليدية، بل يشمل مجالات حساسة كالاستخبارات، وأمن الحدود، ومكافحة الشبكات العابرة للدول.
ويعكس هذا التطور، في جوهره، سعياً لبناء ما يمكن تسميته بـ”عقيدة أمنية مشتركة” بين البلدين، تتأسس على إدراك متقارب لطبيعة التهديدات، وعلى استعداد لتقاسم الأعباء في مواجهتها.
العامل الضاغط
لكن خلف هذا الحراك العسكري النشط تقف مالي كعامل ضاغط يعيد ترتيب الأولويات، فمنذ وصول المجلس العسكري الحالي إلى السلطة في باماكو، دخلت البلاد في مسار تصادمي مع محيطها الإقليمي، بلغ ذروته ليس فقط بإلغاء اتفاق المصالحة بين باماكو والطوارق لعام 2015، الذي كانت الجزائر راعيه الرئيسي، وإنما بقطع العلاقات مع الجزائر.
ينسف هذا القرار أحد أهم أطر الاستقرار في شمال مالي، وفتح الباب أمام عودة المواجهات المسلحة، وتفاقم هشاشة الحدود، وهو ما انعكس بشكل مباشر على موريتانيا والجزائر.
والأخطر من ذلك أن سلوك السلطات المالية لم يعد يقتصر على الداخل، بل امتد إلى محيطها، عبر توترات متصاعدة مع نواكشوط، شملت اتهامات متبادلة، ومضايقات لسكان القرى الحدودية، بل ووصول الأمر إلى سقوط ضحايا، في مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريوهات الانزلاق غير المحسوب.
في هذا السياق، تكتسب الحدود المشتركة بين موريتانيا والجزائر، الممتدة على نحو 460 كيلومتراً، أهمية مضاعفة؛ فهي لم تعد مجرد فضاء للتبادل التجاري أو التهريب التقليدي، بل تحولت إلى منطقة تماس معقدة، تتقاطع فيها شبكات الجريمة المنظمة، ومسارات الهجرة غير النظامية، وتحركات الجماعات المسلحة.
من هنا، يصبح تنسيق الدوريات المشتركة، وتبادل المعلومات بشكل آني، وتوحيد قراءات المشهد الأمني، ضرورة عملية، لا خياراً سياسياً.
واللافت في التقارب الموريتاني الجزائري أنه يجري بوتيرة ثابتة، وبمعزل عن التحولات في علاقات موريتانيا مع أطراف إقليمية أخرى، ما يعكس حرص الجزائر على تثبيت شراكتها مع نواكشوط كخيار استراتيجي طويل المدى، لا يتأثر بالاصطفافات الظرفية.
وفي المقابل، يبدو أن موريتانيا، التي نجحت نسبياً في تحييد نفسها عن صراعات الساحل، تدرك أن الحفاظ على هذا التوازن يمر عبر تحصين حدودها الشرقية، بالشراكة مع قوة إقليمية وازنة كالجارة الجزائر.
بناء توازن
ويرى خبراء في شؤون الساحل أن هذا التنسيق المتنامي بين موريتانيا والجزائر يندرج ضمن محاولة أوسع لإعادة بناء توازن أمني إقليمي، في ظل تراجع أدوار تقليدية، وصعود فاعلين جدد، وتبدل أنماط التهديد.
ويجمع متتبعو هذا الشأن على أن الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل التي تشهد تصاعد النشاطات الإرهابية، وانتشار الجماعات المسلحة في مناطق واسعة، لا سيما على الحدود الشمالية لموريتانيا والجنوبية للجزائر، تتطلب تعزيز التعاون الأمني بين البلدين، خاصة في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الحدود، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة.
وفي هذا الإطار، لم تعد المقاربة الأمنية قائمة على رد الفعل، بل على الاستباق، وعلى بناء شبكات تنسيق مرنة، قادرة على التعامل مع بيئة سريعة التحول.
وما يجري بين موريتانيا والجزائر اليوم ليس مجرد تعاون عسكري تقليدي، بل هو إعادة تشخيص مشتركة لوظيفة الحدود، ولدور الجيوش الوطنية في فضاء إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات. وفي ظل انسداد الأفق في مالي، وتصاعد منسوب التوتر معها، يبدو أن نواكشوط والجزائر اختارتا الرهان على تنسيق عميق وهادئ، عنوانه الأبرز: تأمين المجال الحيوي المشترك، ومنع انتقال الفوضى وتوسع نطاقاتها، مهما كانت الكلفة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات