أخبار عاجلة

موريتانيا تقف على حافة معادلة معقدة في الأزمة المتفجرة في مال

في لحظة إقليمية تتسم بتسارع الانهيارات الأمنية وتداخل الأبعاد العرقية والجيوسياسية، تبدو موريتانيا وكأنها تقف على حافة معادلة معقدة لا تسمح بخيارات سهلة؛ فالأزمة المتفجرة في مالي لم تعد مجرد شأن داخلي لدولة مجاورة، بل تحولت إلى بؤرة توتر عابرة للحدود، تعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والحدود المصطنعة في منطقة الساحل.

أزمة عابرة للحدود

ومن هذا المنظور، يكتسب الانشغال الموريتاني بتطورات المشهد المالي بعدًا يتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية، ليطال عمق البنية الاجتماعية والسياسية للدولة.
وعلى المستوى الرسمي، تعتمد حكومة نواكشوط في مقاربتها للأزمة على توازن دقيق بين الحذر الدبلوماسي والوعي بحساسية الامتدادات القبلية والثقافية، خصوصًا في ما يتعلق بالمكون العربي في شمال مالي.

فالتعاطف غير المعلن مع بعض أطراف الصراع، وعلى رأسها جبهة تحرير أزواد، لا ينفصل عن قراءة هوياتية ترى في ما يجري امتدادًا لتاريخ طويل من التداخل البشري والروابط الاجتماعية التي لم تستطع الحدود السياسية الحديثة فصلها.
ومع ذلك، فإن هذا التعاطف يظل محكومًا بسقف الدولة ومصالحها الاستراتيجية، في ظل مخاوف من انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى أو إعادة إنتاج نماذج الانفصال المسلح.
وفي هذا السياق، تتداخل حسابات الأمن القومي مع رهانات الاستقرار الداخلي، حيث تدرك موريتانيا أن أي تصعيد غير محسوب في مالي قد يحمل تداعيات مباشرة على حدودها الشرقية، سواء من خلال موجات النزوح أو تنامي نشاط الجماعات المسلحة.
ومن هنا، يتجلى الموقف الموريتاني كتمرين مستمر على إدارة التناقضات، بين التضامن العابر للحدود والانضباط الدبلوماسي، وبين قراءة الأزمة من زاوية الهوية ومتطلبات الدولة الحديثة.

تفاعل شعبي وانقسام في المواقف

وتشهد جمهورية مالي لليوم الثالث تصعيدًا أمنيًا وعسكريًا متسارعًا، أعاد إلى الواجهة مخاوف عدم الاستقرار في منطقة الساحل، وطرح تساؤلات جدية حول تداعيات هذا الوضع على الدول المجاورة، وفي مقدمتها موريتانيا، بحكم الجوار الجغرافي والتداخلات السكانية والأمنية.
وتشير تفاعلات الرأي العام الموريتاني، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي، إلى اهتمام ملحوظ بتطورات الأزمة في مالي، حيث برزت موجة تعاطف لدى شريحة من المدونين والنشطاء مع الحركات الأزوادية، في ظل تصاعد الحديث عن إضعاف النظام العسكري بقيادة عاصمي غويتا.
وقد تجلى هذا التفاعل في تدوينات وبثوث مباشرة تناولت مجريات الأحداث، وعبّرت عن مواقف مؤيدة للقضية الأزوادية باعتبارها «قضية تحرر» لدى بعض الأطراف.
ويستند هذا التعاطف، في جانب منه، إلى قراءة ذات بعد هوياتي، حيث يرى بعض الموريتانيين أن الطوارق يشكلون امتدادًا اجتماعيًا وثقافيًا لما يُعرف بمجتمع «البيظان»، الذي يضم أيضًا عرب الصحراء.
ووفق هذا التصور، فإن أي مكسب سياسي أو جغرافي تحققه الحركات الأزوادية قد يُفهم بوصفه تعزيزًا لمكانة هذا الفضاء الاجتماعي الأوسع، بما يحمله من روابط تاريخية وثقافية مشتركة.
غير أن هذه المقاربة، رغم حضورها في الخطاب الشعبي، لا تعكس بالضرورة إجماعًا عامًا، إذ يقابلها خطاب أكثر تحفظا، يحذّر من اختزال الأزمة في بعدها الهوياتي، ويشدد على تعقيدات المشهد المالي، وتداخل العوامل السياسية والأمنية والإقليمية فيه؛ كما ينبّه هذا الاتجاه إلى أن أي تحولات جذرية في مالي، بما في ذلك سيناريوهات التفكك، قد تحمل تداعيات مباشرة على موريتانيا، تتجاوز الاعتبارات الرمزية إلى تحديات أمنية واقتصادية ملموسة.

تحذيرات من الانزلاق الأمني

وبين هذين التوجهين، يتشكل الموقف الشعبي الموريتاني من الأزمة المالية في مساحة تتقاطع فيها العاطفة بالتحليل، والانتماء الثقافي بالحسابات الواقعية، ما يعكس طبيعة العلاقة المركبة بين البلدين، وحدود التأثير المتبادل في سياق إقليمي شديد الهشاشة.
وعن حقيقة الأوضاع في مالي وانعكاسها المحتمل على موريتانيا، يرى الكاتب المتخصص في الشأن الإفريقي إسماعيل ولد الشيخ سيديا، أن موريتانيا تواجه وضعًا معقدًا نتيجة هذه التطورات، مشيرًا إلى عدة عوامل تضاعف من حساسية المشهد أولها الحدود الطويلة والمفتوحة بين البلدين، الممتدة لنحو 2000 كلم، والتي يصعب ضبطها بالكامل؛ والثاني هو التداخلات العرقية والاجتماعية بين سكان شرق موريتانيا ومناطق غرب وشمال مالي؛ والثالث هو نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، ما يجعل المنطقة الحدودية «مثقلة أمنيًا».
وحذر الكاتب من أن ما يجري في مالي يقترب من حالة «حرب أهلية مكتومة»، وهو ما ينعكس مباشرة على الداخل الموريتاني، خاصة في الولايات الشرقية.
وعلى المستوى الشعبي، تبدو المواقف في موريتانيا غير موحدة؛ فهناك تيار واسع من المدونين والناشطين عبّر عن تضامن مع الحركات الأزوادية، معتبرًا أن الطوارق امتداد اجتماعي وثقافي لمجتمع «البيظان»، وأن نجاح مشروعهم قد يشكل دعمًا رمزياً لعرب المنطقة.
وفي المقابل، حذّر إعلاميون ومراقبون من الانجرار وراء قراءة عاطفية للأحداث، مشددين على أن انهيار الدولة في مالي قد تكون له تداعيات خطيرة على موريتانيا.
وفي هذا السياق، اعتبر الإعلامي محمد الأمين خطاري أن هشاشة الوضع في مالي تؤكد أن تجاوز موريتانيا لبعض الاستفزازات السابقة كان بدافع تجنب تفاقم الأزمة، محذرًا من أن الفوضى الحالية أخطر على الأمن القومي من وجود نظام عسكري مستقر نسبيًا.
ونبّه الإعلامي أحمد وديعة إلى سيناريوهات مقلقة «أبرزها احتمال تدفق موجات هجرة واسعة نحو موريتانيا، وتصاعد الصراع بين الجماعات المسلحة في حال انهيار السلطة المركزية، وتوسع نشاط الجريمة المنظمة في ظل أي فراغ أمني، وتعقيد الأزمة بدخول أطراف إقليمية على خط الصراع».

تطورات ميدانية متسارعة

وأمام هذه التطورات، يحدد المراقبون ثلاثة مسارات رئيسية أمام حكومة موريتانيا، أولها المسار الأمني والعسكري، عبر تعزيز الرقابة على الحدود ورفع جاهزية القوات، والثاني هو سلوك المسار الإداري والدبلوماسي من خلال ضبط المعابر وتكثيف التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين؛ أما الثالث فهو المسار المجتمعي القائم على إشراك الفاعلين المحليين من شيوخ وأئمة لتعزيز الوعي والاستقرار في المناطق الحدودية.
وفي ظل استمرار التصعيد، يبقى التحدي الأكبر هو منع انتقال الفوضى عبر الحدود، والحفاظ على توازن دقيق بين الاستقرار الداخلي والتعاطي الواقعي مع أزمة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات.
وتتسم التطورات الأخيرة في مالي بتعقيد لافت، حيث تتداخل فيها أطراف محلية وإقليمية ودولية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى سيطرة مقاتلين من حركات أزواد على مدينة كيدال، مع استمرار القتال في مناطق أخرى مثل سافاري وموبتي.
وأكدت الأنباء وجود اتفاق بين مقاتلين أزواديين وشركائهم من جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» مع قوات روسية على الانسحاب من كيدال دون قتال، ما ترك القوات المالية في وضع ميداني حرج.
وفي هذه الأثناء، تتواصل العمليات العسكرية وسط دعوات للمدنيين بالابتعاد عن مواقع الجيش، مع استمرار اضطراب الوضع في العاصمة باماكو ومدينة كاتي، وفرض حظر تجول وانتشار مكثف للدوريات العسكرية.
وكان الحدث الأبرز هو تسجيل خسائر في صفوف ضباط كبار في المجلس العسكري الحاكم في مالي بينهم وزير الدفاع وقائد المخابرات، مع تضارب في المعلومات حول مصير بعضهم.
ويلاحظ المراقبون غياب الجنرال عاصمي أكويتا عن المشهد، إذ لم يسجل له أي ظهور علني منذ انفجار الأوضاع الأمنية صباح السبت.
والحاصل أن الأزمة المالية الراهنة تعد اختبارا حقيقيا لقدرة موريتانيا على المناورة داخل فضاء إقليمي مضطرب، دون الانجرار إلى اصطفافات حادة قد تكلفها استقرارها الداخلي أو موقعها الدبلوماسي.
فالموقف الحذر الذي تتبناه نواكشوط ليس تعبيرًا عن تردد بقدر ما هو انعكاس لإدراك عميق لتعقيدات المشهد، حيث لا يمكن فصل الأمن عن الهوية، ولا الجغرافيا عن التاريخ.
ومع استمرار تصاعد التوتر في مالي، ستظل موريتانيا مطالبة بالحفاظ على هذا التوازن الدقيق، مع تطوير أدواتها في قراءة التحولات الإقليمية واستباق تداعياتها. فنجاحها في ذلك لن يحدد فقط موقعها في معادلة الساحل، بل سيعكس أيضًا قدرتها على تحويل هشاشة الجوار إلى فرصة لتعزيز الاستقرار الداخلي وبناء دور إقليمي أكثر تأثيرًا ومرونة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات