وجهت القمة الخليجية التشاورية التي عقدت عن بعد على ضوء توترات لا تهدأ وحالة شد وجذب بين واشنطن وطهران واشتراطات لغّمت المفاوضات التي تستضيفها باكستان، بالإسراع في تنفيذ مشروع أنابيب لنقل النفط والغاز ومشروع الربط المائي بين دول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى استكمال منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية، في خطوة تعكس التوجه الخليجي لتعزيز الدفاعات المشتركة وتأمين بدائل لوجستية لمواجهة التحديات الأمنية.
وجاءت هذه التوجيهات الصارمة في ختام اللقاء التشاوري التاسع عشر لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي استضافته مدينة جدة برئاسة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ليرسم خارطة طريق جديدة للتعامل مع المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة والعالم.
واحتل ملف أمن الملاحة الصدارة في مداولات القادة، حيث أعرب المشاركون عن رفضهم القاطع والحازم لأي إجراءات إيرانية غير قانونية تستهدف إغلاق مضيق هرمز أو عرقلة حركة الملاحة الدولية فيه. واعتبرت القمة أن أي تهديد لهذا الممر المائي الحيوي لا يمس أمن دول المنطقة فحسب، بل يمثل اعتداءً مباشراً على أمن الطاقة العالمي واستقرار الاقتصاد الدولي، وهو ما استدعى التوجيه الفوري بالبحث عن بدائل استراتيجية تضمن تدفق النفط والغاز عبر شبكة أنابيب برية قادرة على تجاوز نقاط التوتر البحري، بما يضمن استمرارية الإمدادات تحت كافة الظروف.
وعلى الصعيد الدفاعي، فرضت تجارب الأشهر الماضية نفسها على طاولة البحث، حيث ناقش القادة تداعيات الهجمات بالمسيرات والصواريخ الباليستية التي تعرضت لها بعض دول المجلس خلال العمليات العسكرية الأخيرة. وفي هذا السياق، شددت القمة على ضرورة الانتقال من مرحلة التنسيق الدفاعي التقليدي إلى مرحلة التكامل العملياتي الشامل عبر إنجاز منظومة الإنذار المبكر الموحدة، وهي الخطوة التي يراها مراقبون ضرورية لتحصين الأجواء الخليجية وتوفير مظلة حماية رقمية وتقنية متطورة قادرة على رصد واعتراض التهديدات الجوية قبل وصولها لأهدافها، مع الاستفادة من الصفقات الدفاعية الكبرى التي أبرمتها دول كالإمارات والسعودية مؤخراً لتعزيز قدراتها الردعية.
ولم تغب السياسة عن كواليس القمة التي عُقدت في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع مساعٍ دولية تقودها باكستان للوساطة بين طهران وواشنطن لإنهاء حالة الحرب التي اندلعت في فبراير/شباط الماضي. وقد استعرض القادة مخرجات الهدنة المؤقتة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتمديدها بانتظار مقترحات طهران، مؤكدين على ضرورة وجود موقف خليجي موحد يضمن عدم المساس بمصالح دول المجلس في أي اتفاق مستقبلي.
ويرى القادة الخليجيون أن سياسات الاحتواء السابقة تتطلب مراجعة شاملة في ظل استمرار اعتداءات إيران ووكلائها، مما يفرض تبني استراتيجية "تحييد المخاطر" التي تجمع بين الضغط الدبلوماسي والتفوق العسكري الدفاعي.
وفي الجانب التنموي، برز مشروع الربط المائي كأحد أعمدة الأمن القومي الخليجي، حيث يهدف المشروع إلى خلق شبكة مائية متكاملة بين الدول الأعضاء تضمن توفير الاحتياجات الأساسية في حالات الطوارئ أو الكوارث الطبيعية والأمنية. واختتمت القمة بالتأكيد على أن مجلس التعاون سيظل الحصن المنيع لمصالح شعوبه، وأن خطوات التكامل الاقتصادي والعسكري التي أُقرت في جدة تمثل مرحلة فاصلة في تاريخ العمل الخليجي المشترك، تهدف إلى بناء قوة إقليمية قادرة على فرض الاستقرار وحماية الممرات الدولية من أي تهديدات خارجية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات