يشكل مسلسل "كية" أحد أبرز الأعمال الجزائرية في موسم رمضان 2026، حيث يراهن صناع العمل على تقديم دراما اجتماعية تختلف عن المعتاد، تنقل الواقع بعيدا عن أي تجميل أو مبالغة.
ويفتح العمل نافذة واسعة على حياة الفئات المهمشة في الأحياء المحيطة بالعاصمة الجزائرية، ويطرح تساؤلات عميقة حول العدالة الاجتماعية، والحق في السكن الكريم، وفرص الشباب في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية معقدة.
وتدور أحداث المسلسل في حي قصديري على أطراف العاصمة الجزائرية، حيث يعيش السكان في بيوت هشة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة. ويتتبع العمل من خلال شخصيات متعددة الخلفيات، تفاصيل الحياة اليومية لسكان الحي: انقطاع المياه، انعدام فرص العمل، صعوبة التنقل، ونظرة المجتمع القاسية تجاههم.
وتبرز القصة أيضا الطموحات والأحلام الصغيرة التي يحاول السكان التشبث بها رغم كل الظروف الصعبة.
ويؤدي دور البطلة الرئيسية، النجمة ليديا شبوط، تجسد شابة قوية تناضل من أجل تعليم إخوتها وتأمين حياة أفضل لأسرتها بعد وفاة والدها. وتمثل شخصيتها نموذجا للمرأة الجزائرية الصبورة، التي تتحمل مسؤوليات كبيرة في سن مبكرة، وسط مجتمع لا يمنحها فرصة للتراجع أو الاستسلام.
وتتصاعد الأحداث مع وصول أخبار عن مشروع سكني جديد قد يمنح بعض العائلات فرصة الانتقال إلى شقق لائقة، ما يخلق حالة من التوتر داخل الحي. وتبدأ الصراعات بين الجيران، وتظهر الانقسامات بين من يسعى للحصول على حقه بطرق قانونية، ومن يحاول استغلال الفوضى لتحقيق مكاسب شخصية. هنا ينجح العمل في إدخال عنصر التشويق، حيث تتشابك المصالح وتتغير التحالفات، وتنكشف أسرار ظلت مخفية لسنوات.
PreviousNext
واختار المخرج أسامة قبي تصوير المشاهد في مواقع حقيقية داخل أحياء شعبية، لإضفاء أكبر قدر من المصداقية على العمل. وتتحرك الكاميرا في كثير من المشاهد بين الأزقة الضيقة وتنقل تفاصيل البيوت البسيطة، ما يجعل المشاهد يشعر بأنه يعيش داخل الحدث نفسه.
وأكد قبي أن "كية ليس مجرد مسلسل للترفيه، بل محاولة صادقة لإيصال صوت فئة تعيش على الهامش"، مضيفا، "حرصنا على احترام الحقيقة، وعدم تقديم الشخصيات بصورة نمطية، بل كبشر لديهم أخطاء وأحلام وطموحات". كما أشار إلى أن فريق العمل قضى وقتًا طويلًا في البحث الميداني، والحديث مع سكان الأحياء القصديرية لفهم تفاصيل حياتهم اليومية، وهو ما انعكس بدقة في السيناريو والحوار.
المسلسل من تأليف سندس عبدالرحمن، التي نسجت خيوط الحكاية بعناية، ونجحت في تحقيق توازن بين الدراما الإنسانية والإثارة الاجتماعية، كما يسلط النص الضوء على قضايا مثل الفقر، البطالة، التهميش، العنف الاجتماعي، وأثر الظروف القاسية على العلاقات الأسرية.
وأوضحت عبدالرحمن، أن "الفكرة انطلقت من رغبة في كسر الصورة النمطية عن سكان الأحياء القصديرية، فهم ليسوا مجرد أرقام في تقارير اجتماعية، بل بشر لهم قصص مؤثرة تستحق أن تُروى". وأضافت، "ركزت على بناء شخصيات حقيقية، قد يختلف المشاهد معها أحيانًا، لكنه بالتأكيد سيتعاطف معها ويعيش الصراع الذي تمر به".
إلى جانب ليديا شبوط، التي تتصدر البطولة بعد نجاحها في أعمال مثل "رأس المحنة"، و"البراني"، و"الفراق"، يشارك في العمل نخبة من النجوم الشباب الذين يقدمون أدوارا محورية في تطور الأحداث.
وقالت ليديا شبوط، "هذا الدور يعد من أصعب وأقرب الأدوار إلى قلبي. عشت تفاصيل الشخصية بكل مشاعرها، وبكيت في مشاهد كثيرة لأن القصة تشبه واقعا نعرفه جميعا". وأوضح الممثل مراد أوجيت قائلا، أن "العمل يعكس صوت الشباب الذي يشعر أحيانًا بالضياع، لكنه لا يفقد الأمل، وهذا ما يجعل الدور مؤثرا جدا".
ويمتزج في "كية" عنصر الواقعية القاسية مع التشويق الدرامي، ما يجعله مختلفًا عن العديد من الأعمال التي تركز فقط على الجانب الترفيهي، فالمسلسل لا يكتفي بعرض المشكلة، بل يحاول تحليل أسبابها، وطرح تساؤلات حول الحلول الممكنة، من خلال صراعات شخصياته المتنوعة وأحداثه اليومية المشوقة.
ومن المتوقع أن يثير المسلسل نقاشات واسعة بين الجمهور حول السياسات السكنية والعدالة الاجتماعية في الجزائر، فالأعمال الفنية التي تلامس قضايا واقعية غالبا ما تتحول إلى مرآة تعكس هموم الناس، وتدفعهم للتساؤل عن الحلول الممكنة، "كية" بهذا المعنى يصبح مشروعا توثيقيا يضع المشاهد أمام واقع قد يكون قريبًا منه أكثر مما يتصور، مع إشارات واضحة للتغيير الاجتماعي المحتمل إذا تم استثمار الوعي الجماهيري.

تعليقات الزوار
لا تعليقات