لا يزال الحراك الشعبي حاضرا بقوة في وجدان الجزائريين من سياسيين ونشطاء، كذكرى مؤسسة استعاد فيها المواطنون في فبراير 2019 عبر مسيراتهم المليونية، القدرة على التأثير على مسار الأحداث وإزالة مشروع العهدة الخامسة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة الذي أراد البقاء في الحكم رغم العجز والمرض.
ففي الثاني والعشرين من فبراير 2019، خرج ملايين الجزائريين إلى الشوارع في مختلف ولايات البلاد، في حراك سلمي واسع طالب بإنهاء مسار سياسي اعتُبر آنذاك مسيئا لصورة الدولة ومؤسساتها. واستمرت المسيرات أسابيع متتالية، قبل أن تنتهي باستقالة الرئيس في أبريل/ نيسان 2019، لتدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة، بقيت فيها المسيرات حاضرة بقوة بشعار التغيير الجذري للنظام.
وبعد خلافات وتجاذبات حادة في الشارع والمشهد السياسي بقيت في إطارها السلمي، ذهبت السلطة التي استلمت مقاليد الحكم بعد انسحاب بوتفليقة إلى خيار الانتخابات الرئاسية نهاية سنة 2019 والتي جاءت بعبد المجيد تبون رئيسا للبلاد، ليتم بعدها بعث مسار انتخابي تخلله استفتاء للدستور وانتخابات تشريعية ثم رئاسيات جديد في 2024 أسفرت عن إعادة انتخاب الرئيس تبون لولاية ثانية.
ومع مرور سبع سنوات على تلك اللحظة المفصلية، تتباين القراءات السياسية والحقوقية لنتائج الحراك ومآلاته، بين من يعتبر أن مسار التغيير لم يستكمل بعد، وأن القضايا المرتبطة بالحريات والديمقراطية لا تزال مطروحة وبين من يرى أن مطالبه تُرجمت عبر إصلاحات دستورية ومؤسساتية.
في هذا السياق، استحضر عبد العالي حساني شريف، رئيس حركة مجتمع السلم، ذكرى 22 فبراير من خلال الدعوة للتوافق الوطني، معتبرا أنها محطة خرج فيها الشعب بسلمية ووعي مطالبا برفع الانسداد في الأفق السياسي، ومؤكدا أن إرادة الشعب هي مصدر الشرعية وأساس الاستقرار.
وقال السياسي الذي شارك في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، إن الحراك كان تعبيرا راقيا عن تشبث الجزائريين بقيمة الحرية في الاختيار والتعبير، معتبرا أن الحرية جوهر العقد الوطني الذي تُبنى عليه دولة القانون والمؤسسات، وتصان به كرامة المواطن وتُحصن به البلاد من الفساد والاستبداد.
وأضاف الحراك مثّل لحظة جامعة أعادت الاعتبار لقيمة التوافق بوصفه منهجا لإدارة الاختلاف وآلية لصناعة الحلول المشتركة بعيدا عن الإقصاء أو منطق الغلبة، مشددا على أن الاستقرار الدائم لا يُبنى على الانفراد، بل على شراكة سياسية وطنية تراعي الإرادة الشعبية وتحفظ وحدة الدولة.
وأكد أن التحدي المطروح اليوم يتمثل في تحويل تلك اللحظة التاريخية إلى مسار مستدام يحفظ الحريات ويؤسس لتوافق وطني حقيقي حول قواعد العمل السياسي، بما يحقق دولة قوية بمؤسساتها وعادلة في سياساتها ومعبرة عن تطلعات شعبها، مضيفا أن حركته تؤكد التزامها بالعمل من أجل ترسيخ الحرية في إطار القانون وتعزيز التوافق الوطني بما يخدم الإصلاح ويحفظ وحدة البلاد واستقرارها.
أما عثمان معزوز، رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذي التوجه المعارض، فذكّر بما وصفه بالأمل الكبير الذي بعثه الحراك في قلوب الجزائريات والجزائريين، مشيرا إلى أن شعبا واقفا ودودا وسلميا أعاد التأكيد على سيادته وتمسكه بدولة القانون ورفضه لمصادرة الإرادة الشعبية.
وأوضح أن حزبه أخذ نصيبه في تلك اللحظة التاريخية من خلال ما وصفه بثباته الديمقراطي وانخراطه إلى جانب المتظاهرين وتقديمه مقترحات لانتقال حقيقي وذي سيادة. وأضاف أن مطالب الحراك، وفي مقدمتها قضاء مستقل، وحريات مضمونة، وشرعية منبثقة من صناديق الاقتراع لا من الترتيبات، لا تزال راهنة، وأن تحقيقها يظل، بحسبه، ضرورة سياسية وأخلاقية.
وفي صف الموالاة، اعتبر عبد القادر بن قرينة، رئيس حركة البناء الوطني، أن ذكرى 22 فبراير تجسد ما وصفه بالحراك الشعبي المبارك الأصيل، مشيرا إلى أن هذا اليوم أرساه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون يوما وطنيا للأخوة والتلاحم بين الشعب وجيشه من أجل الديمقراطية.
وقال إن هذا التاريخ يجسد اللحظة التي أعلن فيها الشعب، بوعيه، بداية عهد جديد من السيادة، معتبرا أن ما تجنيه الجزائر اليوم من حضور دبلوماسي وثقل إقليمي هو ثمرة تلاحم الشعب مع جيشه الوطني الشعبي ومؤسسات الدولة، وأن الانتقال من “حراك التغيير” إلى “حراك التنمية” يتجسد في تعزيز السيادة الاقتصادية والمؤشرات الإيجابية التي تضع الجزائر على سكة النهضة.
واستعاد بن قرينة ما قاله الرئيس تبون من أن “الحراك المبارك الأصيل هو الذي أنقذ الدولة الوطنية من الانهيار واستعاد هيبتها”، داعيا إلى مزيد من اليقظة ورص الصفوف خلف مؤسسات الدولة صونا للمكتسبات ووفاء لما وصفه بعهد الشهداء.
وفي تعليق له، قال المحامي والحقوقي عبد الغني بادي، أحد أبرز المدافعين عن معتقلي الحراك، إن “التغيير المنشود نحو جزائر أفضل، حرة وديمقراطية، هدف ما يزال قائما وسيتحقق طال الظلم أو قصر”. وأضاف أن “الذين سُجنوا والذين ظُلموا والذين حوكموا، والذين دافعوا ورافعوا ورفضوا مشاهد التضييق ومصادرة الحريات، والذين كتبوا ووثقوا وصمدوا في وجه أساليب الضغط، سيشهد التاريخ لهم لا عليهم، وسينصف تشبثهم بحرية غير منقوصة، معتبرا أن الإنسان الحر المتمسك بالحرية والكرامة الإنسانية لا يقبلها إلا كاملة”.
وفي تحليل عام لمركزية الحراك في المسار السياسي الحديث للجزائر، كتب الناشط عبد الله كمال، أن فئة الشباب التي كانت وقود المسيرات في 2019 أصبح الكثير منها اليوم في سن الثلاثين والأربعين، في حين أن الأجيال الأصغر، لا سيما جيل “زد”، لا يعرف كثير منهم عن الحراك سوى شذرات أو فكرة عامة غير دقيقة. وأضاف أن الأجيال الجديدة لا تستوعب أن تلك الفترة شهدت افتكاك المجتمع للشارع وللفضاء العام وسيطرته عليه لأكثر من سنة، دون عنف أو تخريب.
وأشار الكاتب الذي اشتهر بتدويناته وتوثيقه لمسيرات الحراك، إلى أن ما يُخشى منه تحت مسمى “الحرية المطلقة” باعتباره مدخلا للفوضى والعنف والحرب الأهلية كما حدث في تسعينات القرن الماضي، عاشه المجتمع الجزائري سنة 2019، وأثبت – بحسبه – أنه بلغ درجة من الوعي مكّنته من الخروج بالملايين إلى الشارع دون تصادمات بين أبناء الشعب الواحد، ومن إدارة اختلافاته الفكرية والأيديولوجية بدرجة كبيرة من النضج.
وأكد أن ذكرى الحراك لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد نوستالجيا أو حنين إلى “زمن جميل”، بل يجب أن تكون مادة للتحليل والتفكر في طبيعة المجتمع الجزائري والتطور الذي عرفه مقارنة بتجربة الانفتاح في التسعينات. واعتبر أن الأجواء السلمية والتضامنية التي طبعت الحراك لأكثر من سنتين تدل على مستوى الثقافة السياسية الذي وصل إليه الجزائريون، والذي يمكن البناء عليه لتحقيق انتقال ديمقراطي وتنمية منشودة.
ويرى كمال أن اللحظات التأسيسية في حياة الشعوب، مثل لحظة الحراك، تتجاوز أهميتها النتائج السياسية الآنية، لأنها تعيش في الذاكرة الجماعية وتُستعاد في سياقات تاريخية مختلفة لتصبح مرجعا تُبنى عليه مشاريع سياسية لاحقا، مبرزا أن أهميتها تكمن في كونها تمثل بوصلة أو خيطا ناظما في حياة الشعوب، تُبنى عليها الهوية الجامعة وتتحول إلى مرجع في النقاش العام.

تعليقات الزوار
لا تعليقات