في سياق إقليمي يتسم بتآكل منظومات الأمن التقليدية، وتراجع الحضور الدولي، وتصاعد أدوار الفاعلين غير المصنفين، جاء التقرير الجديد الصادر عن المجموعة الدولية لمتابعة الأزمات (International Crisis Group) ليعيد تسليط الضوء على التحولات المتسارعة في نشاط جماعة النصرة الجهادية في منطقة الساحل.
ولم يكتف التقرير برصد التمدد الجغرافي للجماعة، بل ربط هذا التمدد بتحولات أعمق في بنية الدولة الهشة، وأنماط الحوكمة المحلية، واستراتيجيات الجماعات المسلحة في استثمار الفراغات الأمنية والاقتصادية.
والمجموعة الدولية لمتابعة الأزمات هي منظمة غير حكومية مستقلة وغير ربحية تأسست عام 1995، وتتخذ من بروكسل ببلجيكا مقرًا لها، وهي تُعنى بمنع النزاعات المسلحة وحلّها من خلال أبحاث ميدانية معمّقة وصياغة توصيات عملية موجّهة لصنّاع القرار السياسي والدبلوماسي والعسكري حول العالم.
وأشار تقرير المجموعة إلى «أن توسع أنشطة الجماعة لا يُفهم فقط بوصفه تقدماً عسكرياً، بل باعتباره تحولاً في أساليب النفوذ، من السيطرة المباشرة إلى بناء شبكات محلية، ونسج تحالفات ظرفية، واستثمار المظالم الاجتماعية؛ وهو ما يضع حكومات دول الساحل أمام معادلة معقدة تجعلها متأرجحة بين المقاربة الأمنية الصارمة، والحاجة إلى معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالتهميش وضعف الخدمات وغياب التنمية المتوازنة.
وبهذا المعنى، تحول التقرير من مجرد توصيف أمني إلى وثيقة إنذار سياسي، تعكس قلقاً متزايداً من أن استمرار المقاربات الجزئية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة الأمنية للمنطقة على نحو أكثر هشاشة وتعقيداً.
وحذّر التقرير الجديد الصادرة عن المجموعة الدولية لمتابعة الأزمات من أن التوسع المتسارع لجماعة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خارج نطاق الساحل التقليدي يضع غرب إفريقيا أمام مرحلة أمنية دقيقة، قد تمتد تداعياتها إلى دول ظلت حتى وقت قريب بعيدة نسبياً عن دوائر العنف المباشر، وفي مقدمتها موريتانيا. وإلى جانب تشخيص الظاهرة، قدم التقرير، الذي حمل عنوان «مأزق التوسع إلى ما بعد الساحل»، حزمة توصيات اعتبرها ضرورية لاحتواء التهديد قبل أن يتحول إلى موجة عدم استقرار أوسع.
ودعا التقرير إلى تعزيز التنسيق الإقليمي بين دول الساحل وغرب إفريقيا، وتكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية، مع دعم قدرات الجيوش وأجهزة الأمن في المناطق الحدودية الهشة، بالتوازي مع الاستثمار في التنمية المحلية وإعادة بناء الثقة بين السكان والسلطات.
كما شدد على أن المقاربة العسكرية وحدها أثبتت محدوديتها، وأن الحد من نفوذ الجماعة يمر عبر معالجة النزاعات المجتمعية والتهميش الاقتصادي اللذين تستغلهما التنظيمات المسلحة في التجنيد والتغلغل.
وتعود جذور جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى عام 2017 حين اندمجت عدة فصائل مسلحة في شمال مالي تحت راية واحدة موالية لتنظيم القاعدة، قبل أن تتمدد تدريجياً في مناطق شاسعة من بوركينا فاسو والنيجر.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولا لافتا في استراتيجية هذه الجماعة، حيث أنها تمكنت من التوجه جنوباً نحو الدول الساحلية مثل بنين وتوغو، مستفيدة من هشاشة بعض المناطق الحدودية، وتراجع الحضور الأمني في أحزمة الغابات الممتدة بين الساحل وخليج غينيا.
ويرى معدّو التقرير أن هذا التوسع يضع الجماعة أمام معادلة معقدة، فهو يمنحها فضاءات جديدة للحركة وموارد إضافية عبر شبكات التهريب والجباية المحلية، لكنه في الوقت ذاته يعرّضها لاحتكاك بمجتمعات أكثر تنوعاً وأقل تقبلاً لأجندتها الصارمة، ما قد يخلق توترات داخلية ويستنزف قدراتها التنظيمية.
ومع ذلك، حذر التقرير من أن استمرار الفراغ الأمني وتراكم الأزمات السياسية في المنطقة قد يمنحها الوقت الكافي لترسيخ وجود طويل الأمد.
وبالنسبة لموريتانيا، تكتسب مضامين هذا التقرير، وفقا لمحلل استراتيجي محلي فضل الكتم على اسمه، أهمية خاصة نظراً لحدود موريتانيا الطويلة مع مالي، حيث تنشط جماعة النصرة في مناطق قريبة من الشريط الحدودي.
تحديات جديدة
ورغم أن نواكشوط نجحت خلال العقد الماضي في تحصين جبهتها الداخلية عبر مقاربة أمنية واستباقية، فإن التحولات الإقليمية الراهنة تفرض تحديات جديدة. فكلما تصاعد الضغط العسكري على التنظيمات الجهادية المسلحة في عمقها التقليدي، زادت احتمالات بحث هذه الجماعات عن مساحات مناورة بديلة، سواء عبر خلايا نائمة أو شبكات دعم لوجستي في المناطق الصحراوية النائية.
وأشار التقرير إلى أن هشاشة بعض المناطق الحدودية في غرب إفريقيا لا ترتبط فقط بعوامل أمنية، بل أيضاً بضعف الخدمات الأساسية، وغياب الدولة بمفهومها التنموي، ما يفتح المجال أمام الفاعلين المسلحين لتقديم أنفسهم كبديل أو كقوة قادرة على فرض «نظام» محلي.
وفي هذا السياق، تبدو موريتانيا مطالبة بمواصلة الاستثمار في التنمية بالمناطق الداخلية، وتعزيز حضورها الإداري والخدماتي، بالتوازي مع اليقظة الأمنية.
ولفت التقرير إلى أن التحولات السياسية في دول الساحل، بما في ذلك الانقلابات العسكرية وإعادة تموضع الشركاء الدوليين، أفرزت بيئة أمنية متقلبة قلّصت من آليات التعاون السابقة وفرضت ترتيبات جديدة لم تتضح معالمها بالكامل.
مقاربة إقليمية مرنة
ويضاعف هذا الواقع، بحسب معدّي التقرير، الحاجة إلى مقاربة إقليمية مرنة لا تقوم فقط على التحالفات العسكرية، بل على بناء منظومة استجابة مشتركة تشمل التنمية والحوكمة الرشيدة.
وخلص التقرير إلى أن توسع الجماعة خارج نطاقها التقليدي ليس حدثاً عابراً، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة في مسار الصراع المسلح بغرب إفريقيا، فإما أن تنجح الدول في سد الثغرات الأمنية والاجتماعية التي تتسلل منها التنظيمات، وإما أن يتحول التمدد جنوباً إلى واقع دائم يعيد رسم خريطة التهديدات في المنطقة. وفي قلب هذه المعادلة، تبرز موريتانيا كدولة معنية مباشرة بتطورات الجوار، مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق بين الحزم الأمني والانخراط التنموي، لتجنب انتقال عدوى عدم الاستقرار إلى أراضيها.
وسيظل مستقبل منطقة الساحل، في ضوء ما يطرحه التقرير، رهين قدرة الدول على الانتقال من منطق «إدارة الأزمة» إلى منطق «إعادة بناء العقد الاجتماعي». فالتحدي لم يعد محصوراً في احتواء جماعة مسلحة، بل في استعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبلورة رؤية تنموية وأمنية متكاملة تتجاوز الحلول الظرفية.
وإذا كانت المؤشرات الحالية توحي بتصاعد القلق الرسمي، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد أحد مسارين: إما المزيد من التمدد للجماعات المسلحة مستفيدة من الانقسامات والفراغات، أو انطلاق مراجعات استراتيجية تعيد ترتيب أولويات الأمن والتنمية والشراكات الإقليمية.
وبين هذين الاحتمالين، يظل العامل الحاسم هو قدرة دول الساحل على صياغة مقاربة جماعية تعترف بتعقيد التهديد، وتستجيب له ليس بأدوات عسكرية فحسب، بل بأدوات سياسية واقتصادية واجتماعية أيضا.

تعليقات الزوار
لا تعليقات