أخبار عاجلة

المحكمة العليا الليبية ترفض أي مفاوضات أو إبرام اتفاقات بشأن ما يعرض عليها من طعون قضائية

عاد الانقسام حول القضاء إلى الواجهة بقوة مع تجدد السجال بين مؤسسات دستورية وقضائية متوازية في الشرق والغرب، وفي ظل تنازع على الاختصاصات وحدود الفصل بين السلطات، وما يرافق ذلك من مخاوف شعبية ونخبوية من اتساع مساحة عدم اليقين القانوني، خاصة مع تكرار الحديث عن وساطات ولجان ومحاولات لإعادة ترتيب المشهد القضائي في توقيت شديد الحساسية سياسيًا ومؤسساتيًا. وبينما تتقاطع هذه التطورات مع صراعات أوسع على الشرعية وإدارة المرحلة الانتقالية، تتمسك أصوات داخل المؤسسة القضائية بأن حماية الدستور لا تمر عبر «اتفاقات» بل عبر أحكام باتة وملزمة للجميع.
في هذا السياق، أكدت الجمعية العمومية للمحكمة العليا رفضها الانخراط في أي مفاوضات أو مباحثات أو إبرام اتفاقيات بشأن ما يعرض عليها من طعون قضائية، وشددت في بيانها على أن اختصاص المحكمة يقوم على الفصل في الطعون بما يضمن حماية الشرعية الدستورية والقانونية، وأن أي محاولة للتأثير على أحكامها تمثل خرقًا لقدسية القضاء ونزاهته، وذكرت أن مهمتها تشمل الرقابة الدستورية على التشريعات الصادرة عن السلطة التشريعية عبر دائرتها الدستورية ووفق الضوابط المقررة، محذرة من أن الخروج عن هذا الإطار يقوض الشرعية الدستورية ويشكل انتهاكًا لمبدأ الفصل بين السلطات، وأكدت أن المحكمة بوصفها أعلى سلطة قضائية لا تخرج عن النظر فيما يقرر أمامها من طعون والفصل فيها بأحكام قضائية باتة ملزمة، وعليه لا يجوز لها التعامل خارج نطاق مهمتها بإجراء مفاوضات أو مباحثات أو إبرام اتفاقيات حول الطعون الدستورية أو ما تقضي به فيها.
لغة البيان عكست حساسية لحظة يتداخل فيها القانون بالسياسة، فالمحكمة العليا أعلنت صراحة أنها لن تخضع لأي تأثيرات تخص المنازعات المنظورة أمامها أو المقضي فيها، وأنها لن تلتفت لمحاولات تمس حجية وإلزامية أحكامها لا سيما الدستورية منها، وذهبت أبعد حين حذرت من أن أي اتفاق على إصدار تشريعات تتعلق بإعادة هيكلتها أو بالشأن القضائي في هذه المرحلة قد يزعزع السلطة القضائية وينال من وحدتها، وهو تحذير يعيد إلى النقاش سؤال: هل تتحول القوانين المنظمة للقضاء إلى أدوات ضغط متبادل بين المؤسسات، أم أنها ضرورة إصلاحية ينبغي أن تتم في إطار دستوري مستقر، وبين هذين الاتجاهين تتوسع مساحة الشكوك بشأن نتائج استمرار الانقسام القضائي على ملفات الانتخابات والطعون المرتبطة بها، وعلى نزاعات الصلاحيات بين السلطات، وكذلك على ثقة المواطن في قنوات التقاضي.

على الأرض تغذي الوقائع المتلاحقة هذا الانقسام؛ ففي الرابع والعشرين من شباط/فبراير، أصدر المجلس الأعلى للقضاء قرارًا بنقل مقر إدارة التفتيش على الهيئات القضائية مؤقتًا إلى بنغازي، وكلف المستشار مقبولة الشريف رئيسًا لإدارة التفتيش مع ترتيبات لتكليف رؤساء الفروع ووكلاء حسب الأقدمية، وقبل ذلك بأيام أعلن نوري عبد العاطي بصفته مبعوثًا عن رئيس المحكمة العليا عبد الله أبورزيزة تسلم مقر المجلس الأعلى للقضاء، وفق منشور على فيسبوك. وقال إن الخطوة جاءت تنفيذًا لحكم صادر عن الدائرة الدستورية، بينما اعتبر المجلس الأعلى للقضاء برئاسة مفتاح القوي، أن ما جرى عملية اقتحام بتعليمات من محكمة النقض وفق وصفه، وأدان الواقعة وعدّها فرضًا لمنطق الأمر الواقع وانتحالًا للصفة القانونية، ودعا النائب العام لتحمل مسؤولياته حيال ما حدث، كما دعا أعضاء الهيئات القضائية في كامل التراب الليبي إلى الالتفاف حوله ونبذ الفرقة والحفاظ على وحدة الجهاز القضائي وعدم التعامل مع «المعتدين» وفق توصيفه، وهي مفردات تكشف مقدار الاحتقان الذي صار يطال حتى مقار المؤسسات القضائية نفسها بدل أن يبقى نزاعًا محصورًا في النصوص والتأويلات.
وفي خلفية هذه التطورات يقف نزاع ممتد بشأن القضاء الدستوري، بدأ يتصاعد على نحو ملحوظ منذ أن أقر مجلس النواب في كانون الأول/ديسمبر 2022 قانونًا يقضي بإنشاء محكمة دستورية في بنغازي لتحل محل الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس. وفي المقابل، واصلت الدائرة الدستورية عملها وأصدرت أحكامًا اعتبرتها ضمن اختصاصها، ومنذ ذلك الوقت شهد المشهد صدور أحكام وقرارات متضاربة حول بعض القوانين، وهو ما فتح الباب أمام قراءات سياسية متعارضة؛ بين من يرى أن إنشاء محكمة دستورية جديدة خطوة لتصحيح المسار، وبين من يعتبرها تكريسًا لانقسام المؤسسات ومحاولة لتغيير قواعد الرقابة الدستورية خلال مرحلة انتقالية لم تستكمل أساسها الدستوري الدائم، ومع غياب دستور نافذ يفصل بشكل نهائي في الهيكل القضائي الدستوري تبقى مساحة التنازع مفتوحة، وتتحول كل أزمة سياسية إلى اختبار جديد لقدرة القضاء على الحفاظ على وحدة قراره.
الوساطة دخلت على الخط أيضًا، ففي الرابع من كانون الثاني/يناير أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن جهود وساطة يبذلها عدد من الأطراف الليبية لحل النزاع حول القضاء الدستوري، ودعت الأطراف المعنية إلى التعاون البنّاء مع لجنة وساطة تضم أسماء قانونية معروفة، بينها قضاة متقاعدون وخبراء ومحامون، وقدمت البعثة دعمًا لهذه المبادرة باعتبارها مسارًا لصون دور القضاء وضمان استمرارية الرقابة الدستورية، لكن هذا الطرح قوبل في محطات سابقة برفض من جهات قضائية اعتبرت أن إدخال وساطات في شأن قضائي يمس السيادة ويؤدي إلى تسييس وظيفة يفترض أنها محكومة بالنص والإجراءات، ومع بيان الجمعية العمومية للمحكمة العليا يتضح أن حساسيتها لا تتعلق فقط بمبدأ الاستقلال، بل أيضًا بفكرة «التفاوض» نفسها حول طعون دستورية يفترض أن تحسمها المحاكم لا طاولات التفاهمات.
هذه الأزمة ليست وليدة لحظتها، فالتسلسل الزمني منذ 2014 يظهر كيف تحول الخلاف حول المشروعية والسلطات إلى صدامات تتكرر عند كل محطة دستورية أو انتخابية، بدءًا من أحكام مفصلية مرورًا بنقاشات إعادة تنظيم المحكمة العليا وتفعيل الدائرة الدستورية وظهور قوانين متنافسة، وصولًا إلى واقع غير مسبوق تعيشه البلاد بوجود كيانين دستوريين متوازيين في الشرق والغرب وما يرافق ذلك من تحذيرات من تآكل مصداقية المؤسسات وتزايد عدم اليقين القانوني. وبينما يدفع هذا الواقع كثيرين للمطالبة بحلول جذرية تضمن وحدة القضاء وتحميه من التجاذب، يظل السؤال العملي هو كيف يمكن تفكيك هذا الانقسام دون تحويل القضاء إلى طرف تفاوضي أو ساحة لتسويات سياسية، وفي وقت تتمسك فيه حكومة الوحدة الوطنية بخيار الحفاظ على وحدة المؤسسات وإبعاد القضاء عن الاستقطاب، تبدو الخطوة الأهم هي وقف أي مسارات تزيد التشظي، والذهاب إلى معالجة وطنية تضمن احترام الأحكام القضائية، وتعيد بناء الثقة العامة في أن القضاء سيبقى المرجع لا موضوعًا للصراع.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات