الإسلام ليس في ضيافة فرنسا، بل يفترض أن يكون أحد مُقَوِّمات الحياة العمومية الفرنسية ومؤسساتها الديمقراطية. فقد كانت فرنسا في سياق الحرب العالمية الأولى 1914-1918 وتداعياتها، إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف، نواتها الصلبة الجزائر المستعْمَرة الاستِيْطانية، التي أفرزت طوال وجود الفرنسيين في الجزائر، ووجود الجزائريين في فرنسا، حالة تاريخية، يصعب التَّنكر لها، على ما فعلت فرنسا للدين الإسلامي بعد استقلال الجزائر وخروج فرنسا منها..
غير أن هذا الخروج لا يعني إطلاقا التَّنكر للمسألة الدينية باعتبارها حالة فرنسية، يجب أن تخضع للتسيير كشأن عام، وتُعاد صياغة إشكالية الدين الإسلامي والدولة الفرنسية، كما وردت في سياق قانون الفصل بين الكنائس والدولة، عام 1905، عندما كان الموضوع يعني فصل الكنائس المسيحية والدولة الفرنسية الناشئة بفضل القوات الاستعمارية في أراضي ما وراء البحار كافة.
والحديث عن الإسلام في فرنسا وعلاقته بالجزائر في هذا المقال هو بمناسبة صدور بعض المطبوعات، وأقصد بالضبط «ميثاق مبادئ من أجل إسلام فرنسا» عن مسجد باريس الكبير، الذي يوضح موضوع الإسلام، وما ينبغي أن يكون عليه في فرنسا، في الوقت ذاته، الذي التزم فيه هذا الميثاق الصمت المريب لدور الجزائر، وما ينبغي عليها أن تساهم فيه في المسألة الإسلامية في فرنسا بحكم العلاقة التاريخية، التي تشكلت بين الجزائر وفرنسا.
فمقومات الجزائر تسري على الجزائر كما على فرنسا، لمّا يتعلق بالدين الإسلامي. وتنكّر فرنسا له تصرّف استعماري بغيض ينم عن قطع العلاقة الممكنة بين الجزائر وفرنسا، من خلال مسجد باريس وإشكالية الإسلام والعلمانية أو اللائيكية. والواقع أن «ميثاق مبادئ إسلام فرنسا»، لا يقدم أي شيء، ولا يجتهد في أي موضوع من موضوعات الساعة، بقدر ما يذَكِّر بأن قوانين الجمهورية الفرنسية هي التي يجب أن تسود في نهاية المطاف، وعند ما يظهر أنه تناقض أو خلاف بين الدين والدولة. عندما يُعطي الأولوية دائما الى قوانين ولوائح الدولة ومؤسساتها، معنى ذلك أن الدين ليس له قيمة تذكر، والأفضل ألاَّ يثار الموضوع برمته، ويسعى الجميع، الطرف الفرنسي والجزائري معا الى إدراج أخلاقيات الإسلام في منظومة المؤسسات الدولة الفرنسية، لأن التاريخ والتطورات التي لحقت الإسلام في فرنسا تبرر هذا المسعى، الذي يجب أن يعود على المسلمين كافة في فرنسا بالهناء والاستقرار والوعي الأخلاقي، والدين في فرنسا التي يرفعون فيها العلم المثلث اللون في كل المحامل الرياضية وغيرها.
و«ميثاق مبادئ إسلام فرنسا» يقتصر على التذكير والتنويه بالمفاهيم المعروفة والمتداولة اليوم كحد أدنى للثقافة العالمية، لأن الجميع يدركها من خلال نصوص عالمية، أبرزها الشُّرعة العالمية لحقوق الإنسان، الصادر في 10 ديسمبر 1948، ناهيك من أن دساتير العالم كافة توصي بهذه الحقوق، غير أن الموضوع هو في كيفية تمكين المواطنين من هذه الحقوق، على النحو الذي حُرم فيها المسلمون في فرنسا من ممارسة عباداتهم في بلدهم فرنسا، على النحو الذي يمارس فيه اليهود شعائرهم، رغم شرذمتهم وأقليتهم الواضحة التي تجد التعزيز من قبل مؤسسات الدولة الفرنسية عبر الأموال الصهيونية، وحصانة «مناهضة السامية» التي تشهر عن حق وباطل في كل من يحاول أن ينتقد إسرائيل. وهذا ما غاب عمن وضعوا، «ميثاق مبادئ إسلام فرنسا»: المعاملة بالمثل مع بقية الديانات.
أجل، ما يجب أن يطرح دائما، خاصة على صعيد مسجد باريس الكبير هو الممارسة السوية بين الدين الإسلامي والدين اليهودي، ليس على صعيد المبدأ، كما تقرره روح الجمهورية والديمقراطية في فرنسا فحسب، بل بالقدر الذي يأخذ بالنصيب التاريخي الوافر للإسلام في فرنسا ومستعمراتها، خاصة الجزائر التي كانت امتدادا لفرنسا بداية من عام 1848 كجغرافية واستراتيجية وقوة عسكرية، إن في الجزائر أو في فرنسا، إن جزءا كبيرا من عظمة فرنسا بَنَته في الجزائر، وإن بالتنكر والتستر والظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وهذا كله تاريخ يجب أن يستحضر في عملية تعامل الدولة الفرنسية مع المسلمين في فرنسا، ليس كما فعلت وثيقة «ميثاق مبادئ إسلام فرنسا»، بل بما يصدر عن المؤسسة الفرنسية، خاصة وزارة الداخلية، حول الإسلام والمسلمين.
وبالعودة إلى كتاب «تاريخ الإسلام والمسلمين في فرنسا من العصر الوسيط إلى أيامنا الراهنة»، تحت إشراف محمد أركون، وتقديم جاك لوغوف، ومساهمة أكثر من سبعين متخصصا، الصادر عن منشورات ألبان ميشال عام 2006 في 1220 صفحة، نجد أنه ينوه فعلا بمدى حضور الإسلام والمسلمين في تاريخ فرنسا، ويؤكد أن الاستعمار الفرنسي، قوة نفي وإعدام لحقيقة الدور العظيم للمسلمين في فرنسا، إن زمن الاستعمار أو ما بعده، كما يظهر في هذا الوقت أن العداء للسامية أصل مركوز في الحياة السياسية والفكرية والدينية لفرنسا ومؤسساتها وأشخاصها.
التاريخ بين فرنسا والجزائر، لا يزال مستمرا في لحظة ما بعد الاستعمار، عبر إعادة الأمور إلى نصابها، ليس من واقع الصراع والخلاف والتنديد، بل من خلال التعاون والمشاركة والمعاملة السوية. والواقع يشهد أن فرنسا لا تزال دولة استعمارية رهيبة، عندما تجحف حق الإسلام والمسلمين، على حساب التمجيد غير المبرر لليهود في صلتهم بإسرائيل، التي لم تكن مستعمرة فرنسية، وتتنكر للإسلام والمسلمين، والجزائر رغم أنها كانت مستعمرة فرنسية. والمقابلة هنا ليست لوجود تشابه، بل لوجود معاملة قذرة جدّا تكافئ الخائب وتتنكر للفاعل الحقيقي والصانع لمجد فرنسا في التاريخ، وفي الحاضر على ما يفعل الرياضيون الفرنسيون من أصول جزائرية وافريقية في مقابل فراغ قاتل وصاعق لليهود.. جزء منهم، ينتظر أن يحاكم بتهمة المشاركة في حرب الإبادة الجماعية للفلسطينيين في سياق حرب نتنياهو على قطاع غزة، واليوم في الضفة الغربية، مع تحوّل رهيب للدولة الفرنسية إلى صالح إسرائيل وسياستها العدوانية على كل الشرق الأوسط.
المعاملة الاستعمارية للإسلام والمسلمين، لا تزال قائمة في فرنسا، أبرز مظاهرها هو عدم التَّكفل بالدين الإسلامي من الناحية الرسمية والمؤسساتية، تركته فقط لبعض الفدراليات الإسلامية التي تظهر الخلافات والمشاحنات وتغط في السجالات والمماحكات لا غير، ولا تكف عن التذكير بسماحة الإسلام وعالميته على ما تفعل «وثيقة مبادئ إسلام فرنسا»، التي ينطوي عنوانها على تناقض صارخ لا يفهم و لا يعقل، لأن إسلام فرنسا تحدده مؤسسة الدولة الفرنسية الرسمية، كما تفعل مع الدين المسيحي، ويؤطر ضمن الفهم الحضاري والتاريخي لفرنسا في السابق وفي الحاضر وفق ما يقدمه المسلمون حقيقة في المجالات كافة، خاصة الرياضية، التي ترفع فيها الراية الفرنسية في ميادين المنافسة والمباراة تتويجا للقوة والجهد والبذل العضلي والنفسي العظيم.
وما يصدق على الرياضة يصدق على باقي المجالات، التي يظهر فيها الدور اليهودي فاترا جدا، يؤكد دائما حالة استعمارية مفارقة لتاريخ فرنسا وحاضرها.
د. نورالدين ثنيو

تعليقات الزوار
لا تعليقات