نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لأليكس فاتنكا، الزميل البارز بمعهد الشرق الأوسط، قال فيه إن طهران اكتشفت محدودية “عقيدة التوجه للشرق” في مواجهتها مع الغرب والولايات المتحدة، فقد أدت هذه العقيدة إلى شراكات استراتيجية، ولكن ليس إلى التزامات استراتيجية.
وقال إن الجولة الأخيرة من التصعيد الأمريكي-الإيراني تشبه النمط المعهود: خطاب أمريكي متشدد، وإشارات عسكرية إيرانية محسوبة في الخليج العربي، ودبلوماسية غير مباشرة عبر عمان، وتحذيرات إسرائيلية لا تزال غامضة عمدا، وإن كانت بلا شك حقيقية. إلا أن وراء هذا المشهد تطورا أكثر أهمية داخل طهران. فالأزمة الحالية تجبر الطبقة السياسية الإيرانية على إعادة تقييم رهانها المركزي في السياسة الخارجية خلال العقد الماضي، وهو أن تعميق التقارب مع روسيا والصين سيوفر لها حماية استراتيجية ضد الضغوط الغربية.
وقد تم تقديم عقيدة “التوجه شرقا” الإيرانية للرأي العام المحلي على أنها حل هيكلي للعقوبات والعزلة والضغوط العسكرية.
وساهم الاندماج في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، والاتفاقيات الاستراتيجية طويلة الأمد مع روسيا والصين، في توسيع نطاق تنسيق الطاقة. وتم تأطير التعاون في الصناعات الدفاعية ليس فقط كتنويع اقتصادي، بل كضمان جيوسياسي أيضا.
وفي هذا السياق، نظر إلى النظام المتعدد الأقطاب الناشئ بأنه وسيلة لإضعاف نفوذ الولايات المتحدة وزيادة كلفة التصعيد على واشنطن.
ولكن المواجهة الحالية، كما يقول فاتنكا، كانت بمثابة اختبار عملي لهذه النظرية، فما كشفته هذه الجولة من التصعيد ليس انهيار توجه إيران نحو الشرق، بل تضييق الفجوة بين الشراكة والحماية، وبين التحالف الدبلوماسي والالتزام الاستراتيجي أيضا.
ويعتقد الكاتب أن هذا التمييز بات الآن محور النقاش الداخلي الإيراني، ويأتي في وقت تلوح فيه بوادر صراع الخلافة.
ويرى فاتنكا أن ربيع عام 2025 شكل نقطة تحول في إعادة تقييم طهران لموقفها. فلم يأت هذا من نشر قوات أمريكية أو توجه إسرائيلي، بل من توضيح صدر من موسكو.
فمع تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وتحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنا من أن الفشل في التوصل إلى اتفاق نووي قد يؤدي إلى “قصف”، تحول اهتمام إيران شرقا.
وكانت روسيا قد صادقت للتو على معاهدة استراتيجية شاملة مع إيران، ووصف مسؤولون إيرانيون أكثر من مرة العلاقات بين البلدين بأنها تدخل مرحلة جديدة ومتقدمة. وكان الافتراض السائد هو أن العلاقة قد تجاوزت مجرد المنفعة التكتيكية.
ففي نيسان/أبريل 2025، خاطب نائب وزير الخارجية الروسي أندريه رودينكو مجلس الدوما، شارحا طبيعة المعاهدة، وأكد أنها ليست اتفاقية دفاع مشترك.
وبناء على كلامه، إذا تعرضت إيران لهجوم من الولايات المتحدة، فلن تكون روسيا ملزمة بتقديم مساعدة عسكرية. فقد ألزم الاتفاق الطرفين بالتعاون في مواجهة التهديدات المشتركة والامتناع عن دعم أي معتد، لكنه لم يصل إلى حد الدفاع الجماعي.
وكان هذا التمييز دقيقا دبلوماسيا وحاسما استراتيجيا، حيث أشارت موسكو إلى أن الشراكة لا تعني الوقوع في فخ. ويتوافق هذا الموقف مع استراتيجية روسيا الأوسع نطاقا في الشرق الأوسط، التي تفضل الانخراط متعدد الأطراف بدلا من تشكيل التكتلات. فمن جهة، تحافظ موسكو على علاقات عمل ليس فقط مع طهران، بل أيضا مع إسرائيل والسعودية والإمارات، وقد أبدت بعدا عن الالتزامات التي من شأنها أن تعرض مرونتها للخطر في هذه العلاقات. بعبارة أخرى، نهج روسيا الإقليمي قائم على المصالح المتبادلة، وليس على التحالفات.
وكانت الرسالة بالنسبة لصناع القرار الإيرانيين، الذين كانوا ينظرون إلى التحالف مع الشرق كعامل ردع مضاعف، بمثابة جرس إنذار.
فمن ناحية، ستدين روسيا التصعيد العسكري، وستقدم دعما دبلوماسيا في الأمم المتحدة، وستلعب دور الوسيط عندما يكون ذلك مناسبا، لكنها لن تدخل مباشرة في المواجهة بين إيران وأمريكا.
وقد عززت حرب حزيران/يونيو الماضي، التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل، هذا الإدراك.
فخلال ذلك الصراع، عندما انضمت القوات الأمريكية إلى القوات الإسرائيلية وشاركت في ضربات على المنشآت النووية الإيرانية، أصدرت موسكو إدانات شديدة اللهجة، لكنها لم تقدم أي مساعدة عسكرية مباشرة.
وأشار مسؤولون روس لاحقا إلى أن إيران لم تطلب رسميا مثل هذا الدعم، وذكروا المراقبين بأن إيران رفضت سابقا اندماجا أعمق في تخطيط الدفاع الجوي المشترك. ومع ذلك، كان المشهد حتميا: لقد تحملت إيران الضربات بمفردها.
ومنذ ذلك الحين، تحدث مسؤولون إيرانيون سابقون وحاليون بصراحة أكبر. فقد قال محمد رضا ظفرغندي، وزير الصحة الإيراني، إن البلاد “لطالما كانت وحيدة” خلال الأزمات.
وانتقد آخرون علنا موسكو لعدم تسليمها طائرات مقاتلة متطورة من طراز سو-35 وأنظمة دفاع جوي من طراز إس-400، في حين عرضت قدرات مماثلة أو أكثر تطورا على الهند، الدولة التي تربطها علاقات وثيقة بواشنطن.
وفي النهاية، لا تعكس هذه الانتقادات توقعات بقتال القوات الروسية إلى جانب إيران، بل تكشف عن استياء متزايد من الفجوة بين خطاب الشراكة الاستراتيجية والحدود العملية للدعم الروسي.
وفي ظل تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة، اكتسبت هذه الفجوة أهمية سياسية.
وفي أثناء احتجاجات كانون الثاني/يناير، واصلت موسكو تقديم الدعم المستمر لجهاز الأمن الإيراني، ووفرت له أدوات المراقبة الرقمية وتقنيات التنصت ومعدات متطورة للسيطرة على الحشود، مما يعزز القدرة على احتواء الاضطرابات، مع تجنب أي خطوة قد تعرض روسيا لتكاليف حقيقية أو مواجهة مباشرة.
ويقول فاتنكا إن التصعيد اللاحق مع الولايات المتحدة لم يقتصر على اختبار الردع فحسب، بل أعاد فتح نقاش داخلي حول معنى الاستقلال الذاتي. فالطيف السياسي الإيراني ليس متحدا حول فكرة أو حتى حول حكمة التحالف مع الشرق. فلطالما صور المعسكر المتشدد المناهض للولايات المتحدة التحول نحو موسكو وبيجين على أنه تصحيح أيديولوجي وضرورة استراتيجية، بحجة أن العداء الغربي بنيوي، وأن الاندماج في محور غير غربي هو السبيل الوحيد لضمان مستقبل الجمهورية الإسلامية. ومن هذا المنظور، يعد الدعم الدبلوماسي الروسي والانخراط الاقتصادي الصيني دليلا على أن التعددية القطبية حقيقة واقعة وأن الوقت يصب في مصلحة طهران. ومع ذلك، منحت الأزمة الحالية النقاد ذخيرة جديدة.
فقد حذر علي مطهري، نائب رئيس البرلمان الإيراني السابق، وهو محافظ معروف باستقلاليته، من الاعتماد المفرط على أي قوة خارجية. لا يحمل نقده نبرة معادية لروسيا، ولكنه واضح الدلالة: لا يمكن التوفيق بين الاستقلال الاستراتيجي والاعتماد الهيكلي. فالاستقلال، في رأيه، يتطلب تنويعا لا استبدالا.
أما حشمت الله فلاحات بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن سلوك روسيا الإقليمي يظهر أن موسكو توازن مصالحها في نهاية المطاف بدلا من إعطاء الأولوية لمخاوف إيران الأمنية. وأشار إلى أن روسيا لن تعرض علاقاتها الأوسع في الشرق الأوسط أو مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا للخطر من أجل مصلحة إيران.
ويكشف التاريخ أن علاقة روسيا بإيران حافلة بالإكراه: خسائر إقليمية في القرن التاسع عشر، وتقسيم إيران عام 1907 بين بريطانيا وروسيا إلى مناطق نفوذ، وتدخل موسكو ضد الثورة الدستورية الإيرانية (1905-1911)، ودعمها للانفصاليين في أذربيجان وكردستان الإيرانيتين، والاحتلال السوفيتي لشمال إيران في أربعينيات القرن العشرين.
وقد عززت مظالم أحدث، كتصويت روسيا لصالح عقوبات الأمم المتحدة منذ عام 2010، وتفاهماتها الضمنية مع إسرائيل في سوريا، ونمط استخدامها لإيران كورقة ضغط على الغرب، آراء النقاد. والآن، تقترب الجمهورية الإسلامية من مرحلة انتقالية في القيادة، حيث سيصبح التوجه في السياسة الخارجية مؤشرا على الشرعية والكفاءة. وفي هذا السياق، سيكتسب مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” أهمية بالغة.
والسؤال: هل سيتم حفظ الاستقلال من خلال تحالف وثيق مع القوى غير الغربية، أم من خلال دبلوماسية أكثر مرونة وتنوعا تتجنب الاعتماد الهيكلي على أي شريك واحد؟ فقد أجبرت المواجهة الحالية على تسليط الضوء بشكل أكبر على هذا السؤال.
ويقول الكاتب إن ما تكشفه الأزمة الأمريكية-الإيرانية في نهاية المطاف لا يتعلق كثيرا بعدم موثوقية روسيا، بل بطبيعة التعددية القطبية نفسها. فتردد موسكو في تقديم ضمانات عسكرية ليس خيانة، بل هو امتداد لنموذجها الاستراتيجي.
وتسعى روسيا إلى النفوذ دون التورط، وإلى الاستفادة من النفوذ دون تحمل المسؤولية. فعلاقاتها في الشرق الأوسط متعددة الطبقات ومتداخلة، ومصممة لتعظيم المرونة بدلا من توطيد الكتل. في هذا السياق، تعد إيران شريكا مهما، لكنها واحدة من بين عدة شركاء.
وكان نهج الصين مماثلا: معارضة خطابية للتصعيد، وانخراط اقتصادي مستمر، وتجنب حذر للمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة نيابة عن إيران. لا تعمل موسكو ولا بيجين وفق منطق التحالفات في المنطقة، بل يفضل كلاهما الحفاظ على مسافة محسوبة.
وبالنسبة لطهران، يستمر التبادل التجاري مع روسيا، ويتقدم تنسيق الطاقة، وقد يتعمق التعاون الدفاعي بهدوء. وتبقى الصين شريكا اقتصاديا حيويا لإيران. ومن هنا، فالمسألة ليست فشل التحالف الشرقي، بل وضوح حدوده.
ويعتبر هذا الوضوح، من وجهة نظر واشنطن، مهما. فإذا اقتصر دعم روسيا على الدبلوماسية والوساطة، يستطيع صناع السياسة الأمريكيون معايرة الضغط على طهران دون خشية إثارة مواجهة مباشرة مع موسكو. ويقلل غياب التزامات التحالف من خطر استقطاب الكتلة، حتى مع تصاعد حدة الخطاب.
وعليه، تواجه الجمهورية الإسلامية الآن خيارا أقل دراماتيكية، ولكنه أكثر أهمية من الحرب أو السلام: كيف تعرف الواقعية في عالم يتسم فيه الشركاء بالبراغماتية لا بالحماية. فالصراع حول هذا التعريف، والذي تم التعبير عنه في حجج شخصيات مثل مطهري وفلاحات بيشه، والذي تردد صداه في جميع أنحاء المؤسسة السياسية في طهران، لن يشكل فقط رد إيران على الأزمة الحالية، بل سيشكل أيضا موقفها الاستراتيجي في حقبة ما بعد خامنئي.

تعليقات الزوار
لا تعليقات