تتصاعد حدة النقاشات السياسية والقانونية داخل الأوساط الأوروبية والفرنسية حول "هيكلة جديدة" لملفات الترحيل، برزت ملامحها بشكل جلي في التصريحات الأخيرة لنيكولا بوفرو مونتي، مدير مرصد الهجرة والديموغرافيا بفرنسا، والتي كشفت عن توجهات راديكالية قد تُفضي إلى ترحيل المهاجرين غير النظاميين، وبخاصة الجزائريين، إلى دول ثالثة مثل أوغندا وألبانيا في حال تعثرت مسارات إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
وتأتي هذه الطروحات، التي أدلى بها المسؤول الفرنسي عبر قناة "سي نيوز"، في سياق مخرجات "تنظيم العودة" الذي صادق عليه البرلمان الأوروبي مؤخرا، والذي يهدف إلى تقويض "الرهان على الاستمرارية" لدى طالبي اللجوء المرفوضين عبر استحداث "مراكز عودة" خارج حدود الاتحاد الأوروبي.
وقال المسؤول الفرنسي، في التصريح ذاته إن مهاجرا جزائريا مرفوض الطلب قد يتم نقله إلى مركز في دولة ثالثة في انتظار تسوية وضعيته القانونية، وهو ما يُتوقع أن يخلق أثرا ردعيا لدى طالبي اللجوء الذين كانوا يستفيدون سابقاً من تعقيدات تنفيذ قرارات الإبعاد.
وتستند هذه المقاربة إلى إنشاء ما يُعرف بمراكز العودة خارج الحدود الأوروبية، في دول ثالثة لا تنتمي إلى الاتحاد ولا تعد دول منشأ للمهاجرين، بحيث يُنقل إليها الأشخاص الصادر في حقهم قرار ترحيل في حال تعذر إعادتهم مباشرة إلى بلدانهم الأصلية.
ويشمل التوجه الجديد كذلك اعتماد صيغة أقرب إلى "أمر عودة أوروبي" موحّد، بحيث تصبح قرارات الترحيل الصادرة في دولة عضو نافذة في بقية دول الاتحاد، في محاولة للحد من ظاهرة التنقل الثانوي التي تسمح لبعض المهاجرين بالانتقال إلى دولة أخرى بعد صدور قرار إبعاد بحقهم.
كما يتضمن المشروع تقليص الأثر التعليقي للطعون القضائية، إذ لن يؤدي الطعن تلقائيا إلى وقف تنفيذ قرار الترحيل، وهو ما يُرجح أن يسرّع إجراءات الإبعاد التي كانت تتأخر بسبب المساطر القانونية الطويلة.
جدير بالذكر، أن البرلمان الأوروبي، وافق الأسبوع الماضي، على حزمة إصلاحية جديدة لتشديد قوانين الهجرة داخل التكتل، تمهيدا لإمكانية ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى ما يُعرف ب"مراكز العودة" خارج حدود الاتحاد الأوروبي.
وجاء التصويت بأغلبية 389 صوتا مؤيدا مقابل 206 أصوات معارضة، في إجراء رحبت به غالبية الدول الأعضاء وبعض نواب اليمين واليمين المتطرف، الذين استقبلوا النتيجة بتصفيق في قاعة البرلمان.
ويتيح الإصلاح إنشاء مراكز خارج الاتحاد الأوروبي لإعادة المهاجرين، وهي مراكز أثارت جدلا واسعا لكونها تشبه السجون، وتفرض احتجازا على المهاجرين الذين رفضت طلباتهم، إلى جانب عقوبات إضافية تشمل منع العودة إلى دول الاتحاد.
وتستند هذه الخطوة إلى الرغبة في ضبط تدفقات الهجرة غير النظامية وتعزيز فعالية نظام إعادة المهاجرين، خصوصا أن نسبة العودة الفعلية لا تتجاوز حاليا 20٪ من من صدرت بحقهم أوامر بالمغادرة.
ويرى المؤيدون أن هذه المراكز قد تشكل رادعا فعالا وتثني المهاجرين عن محاولة الوصول إلى أوروبا، في المقابل، يشير المنتقدون إلى تجارب مماثلة واجهت عقبات قانونية وبطء في التنفيذ، مثل محاولة بريطانيا ترحيل مهاجرين إلى رواندا، وتجربة إيطاليا مع مرافق في ألبانيا.
كما حذرت لجنة الإنقاذ الدولية من أن هذه المراكز، نظرا لإقامتها خارج الاتحاد، تفتقد إلى ضمانات كافية لحماية حقوق الإنسان، معتبرة أن المراكز "تشبه السجون وتفتح ثغرات قانونية مستعصية".
ويُنظر إلى هذه الإصلاحات في سياق صعود التيارات اليمينية داخل أوروبا، التي دعت إلى سياسات أكثر صرامة تجاه الهجرة، مع التركيز على تعزيز أدوات الرقابة والإعادة إلى الوطن، في محاولة لتحقيق التوازن بين الأمن والاستقرار واحترام الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان.

تعليقات الزوار
لا تعليقات