أخبار عاجلة

حرب 100 يوم في الجزائر وبث الرعب في قلوب الناس

كانت حرباً مفتوحة، سادت فيها الفظائع كلها، وكل الوسائل كانت متاحة، من أجل القتل وبث الرعب في قلوب الناس. باستهداف مثقفين، ورجال أمن، تجار ومدنيين، بتفجير مقاهٍ واختراق سجون، قصد تصفية مساجين، تفجير الميناء وحرق بيوت، شاعت فيها الأسلحة كلها: مسدسات، رشاشات، قذائف هاون، قنابل تقليدية وسيارات مفخخة. لم ينج منها رجال دين، من أئمة أو رهبان، راح ضحيتها كذلك أطفال ونساء.
في هذه الحرب، كانت الاختطافات روتيناً، والتفجيرات عملا يوميا، تستهدف مقرات جرائد أو سفارات. كان الناس يستيقظون في الصباح ويترصدون شائعات عن التفجيرات المحتملة، عن الأمكنة التي من المحتمل استهدافها قصد تفادي السير جنبها. هكذا كانت الحرب التي شنتها منظمة الجيش السري (أو ما يطلق عليها: «أو. آ. أس»)، بين ربيع وصيف 1962. هذه المنظمة التي لم ترضها اتفاقيات إيفيان، التي أفضت إلى الاستقلال، وأرادت أن تظل الجزائر فرنسية. عارضت شارل ديغول، بل ودت كذلك الانقلاب عليه. حرّضت الأوروبيين على معاداته وانضم إليها المئات من المتعاطفين. حرب راح ضحيتها الآلاف من الجزائريين، لكن طواها النسيان، على الرغم من بشاعتها. محتها الذاكرة كأن شيئاً لم يحصل. فقد جرت العادة في الحديث عن اتفاقيات إيفيان (19 مارس/آذار 1962)، ثم ما تلاه من استقلال أعلن عنه في 5 يوليو/تموز، من العام نفسه. لكن لا أحد يتكلم عما جرى بين هذين التاريخين. كأن حياة الناس كانت هانئة، وأنهم كانوا في بيوتهم ينعمون بالأمان، ينتظرون إشارة من أجل الخروج إلى الشارع والاحتفال بالاستقلال. نسينا المأساة التي خاضوها، والتي لا تقل فظاعة عن حرب التحرير نفسها. في الفترة بين اتفاقيات إيفيان وإعلان الاستقلال، لأول مرة يتحالف جزائريون مع فرنسيين، ضد عدو واحد اسمه: أو. آ. أس. تشكلت فرق مقاومة أطلق عليها اسم (باربوز)، تجمع بين جزائريين وفرنسيين ويجمعهم هدف واحد: الإطاحة بهذه المنظمة المتطرفة، التي ودت مقاومة التاريخ. هذه المنظمة التي شكلها عسكريون مع شبه عسكريين، وانضم إليهم سياسيون يمينيون ومتعاطفون، ضمت إليها ميليشيات وجماعات مسلحة، كانت منظمة ذات ميول راديكالية، ولدت بسرعة ونهايتها أيضاً كانت سريعة، لكن بين الميلاد والنهاية، سوف يسقط الآلاف من الضحايا.

أسبوع المتاريس

نهاية 1959، أعرب شارل ديغول، للمرة الأولى، عن حق الجزائريين في تقرير مصيرهم. وفي مطلع العام التالي، اندلعت حركة احتجاجات في الجزائر العاصمة، قادها شاب في العشرينيات من العمر يسمى بيار لاغايارد، وجمع من حوله الآلاف من الرافضين لاستقلال الجزائر، شنوا احتجاجات وعمليات ضد رجال الأمن، وقع فيها ضحايا من المدنيين والشرطة، وأطلق عليها «أسبوع المتاريس»، لأن المحتجين تحصنوا بمتاريس في احتجاجاتهم، وانتهى الأمر بإحالتهم إلى المحكمة. استفاد بيار لاغايارد من إفراج مشروط، وفرّ إلى مدريد، هناك سوف يجري التفكير من أجل تأسيس «أو. آ. أس»، قصد إجبار فرنسا على مواصلة احتلالها للبلاد. في مدريد، سوف يجتمع ثلاثة أشخاص: بيار لاغايارد، جان جاك سوسيني (رئيس اتحاد الطلبة الجزائريين) ورؤول سالان (جنرال منشق عن الجيش الفرنسي). هؤلاء الثلاثة سوف يؤسسون منظمة الجيش السري، في مدريد، لكن عملياتها سوف تدور في الجزائر، ثم تنتقل إلى فرنسا.
أول ظهور للمنظمة كان في شعارات كتبت على الحيطان، في الجزائر العاصمة، وهران، عنابة، قسنطينة ومدن أخرى، مفادها: «الجزائر فرنسية وسوف تظل كذلك»، وكذا شعار: «أو. آ. أس سوف تنتصر». لا أحد كان يعرف هذه المنظمة، ولا أنها من أكثر الحركات راديكالية، ولم يتوقع أحد أن حياة الجزائريين سوف تراوح بين خوف وموت، فمن بين العلميات التي نفذتها هذه المنظمة هي اغتيال الكاتب مولود فرعون، مع خمسة من رفاقه. وعقب توقيع اتفاقيات إيفيان في ربيع 1962، وقعت أحداث دامية في وسط العاصمة (في شارع العربي بن مهيدي حالياً). على إثر مسيرة قادها أنصار الجزائر الفرنسية، تدخل البوليس الاستعماري قصد تفريقهم، وتحولت المشادات إلى رصاص، وسقط ضحايا من أوربيين وعرب، يقدر مؤرخون عددهم بحوالي 200 ضحية. من يومها تكثفت عمليات منظمة الجيش السري. حاولوا أن يجبروا الأوروبيين على عدم مغادرة البلاد، ووصل بهم الأمر إلى زرع عبوة ناسفة في الميناء قصد منعهم من السفر، تلك العملية راح ضحيتها العشرات من الضحايا. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبنت هذه المنظمة حرق المكتبة الجامعية (وأتلفت ما لا يقل عن 400 ألف كتاب)، واتخذت من كل رموز الدولة الفرنسية في الجزائر هدفاً لها. لم يكتفوا بعمليات ميدانية، بل أنشأوا محطة راديو سرية، يبثون فيها بيانات عسكرية، أرادوا منها تخويف الناس في حال استمروا في العمل من أجل تحرير البلد. كان كل شيء هدفاً لنيران «أو. آ. أس»، من أفراد ومؤسسات، ثم نقلوا عملياتهم كذلك إلى فرنسا، ودخلت المنظمة في حرب على جبهتين، ضد جزائريين وفرنسيين في آن.

عقب الاستقلال

مئة يوم هي المدة التي اشتدت فيها عمليات هذه المنظمة المتطرفة، هي مدة الحرب المفتوحة التي خاضتها في الجزائر. وفي الفاتح من يوليو 1962، جرى اقتراع تقرير المصير في الجزائر، الذي أفضى بأكثر من 99% من الأصوات ﺑ «نعم»، من أجل الاستقلال، ودخلت «أو. آ. أس» في حالة احتضار. الجنرال رؤول سالان ألقي عليه القبض، وحكم عليه بالمؤبد في فرنسا، ثم أخلي سبيله في 1968. كذلك الحال مع جان جاك سوسيني، الذي أعفي عنه في السنة نفسها. أما بيار لاغايارد فقد امتهن المحاماة عقب العفو عنه، وتوفي قبل عشر سنوات. وحسب مؤرخين، فقد تجاوز عدد ضحايا منظمة الجيش السري، في الجزائر، ألفي ضحية (من غير احتساب ضحاياها في فرنسا). بينما يعد ضحايا المنظمة من المنتسبين إليها بما يقارب 119 ضحية. هذه الحرب التي بلغت فيها الفظائع ذروتها، صارت نسياً منسياً، نتغاضى عن تبعاتها الميدانية والنفسية على الناس، مع أنها لحظة فاصلة وحرجة من تاريخ البلاد، فلم يكن الوصول إلى الاستقلال هيناً، قبل المرور من هذه المأساة، التي لا تزال حاضرة في الأرشيف الفرنسي، لكنها طويت من أذهان الجزائريين. زمن «أو. آ. أس» انتهى، لكنه أورثنا خليفة له، أورثنا اليمين المتطرف في فرنسا، الذي يحن إلى جزائر فرنسية، والذي تنتسب إليه بقايا منظمة الجيش السري. هذا الحزب الذي يجري في شرايينه دم الضحايا صار يحظى بأنصار له في الجزائر نفسها. هكذا هو الحال عندما لم نقرأ التاريخ.

سعيد خطيبي

اضف تعليق

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات