أخبار عاجلة

مَن يحمي العالم من بلطجة «مجلس الشيوخ الأمريكي»؟

رغم أن العالم يعرف القليل من خبايا السياسة الأمريكية الداخلية المعقَّدة، إلا أنه يعرف ما يكفي عن أن المشرّعين في مجلسي النواب والشيوخ قوة ضاربة تُخيف دولا وتصيب بالذعر حكومات.
يتفوق مجلس الشيوخ (100 عضو) كثيرا على مجلس النواب (435 عضوا) في الاهتمام بالسياسة الخارجية والتلويح بها في وجه البيت الأبيض وفي وجه مَن يتمردون على توجهات السياسة الأمريكية الاستعمارية بكل أبعادها.
نفوذ أعضاء مجلس الشيوخ (السيناتورات) يعطي الانطباع بأنهم أقوى من الرئيس وقادرون على ليّ ذراعه رغم الصلاحيات الدستورية الواسعة التي يتمتع بها. يبالغ بعضهم في التلويح بعصا العقوبات، فلم يشتهروا إلا بهذا الأمر حتى خُيِّل للعالم أن لا حدود لسطوتهم. يصدرون عقوبات تُجوِّع شعوبا ودولا لا يعرفون موقعها على خارطة العالم، ويهددون مسؤولين أجانب كبارا يعجزون عن نطق أسمائهم.
وقد كشفت حرب إسرائيل الحالية على غزة أن لا حدود لجنون وغطرسة بعضهم.
كان سباق بعض «الشيوخ» لإعلان الدعم والولاء لإسرائيل وتهديد خصومها في بداية الحرب على غزة تقليديا من النوع الذي ألفه العالم. لكنه سرعان ما بدأ يأخذ مناحي أخرى عندما تأكد لهم أن إسرائيل تغرق في مستنقع غزة وأن تركها لمصيرها يعني نهايتها.
ذهل «الشيوخ» ومعهم المتعطشون للدماء من الإسرائيليين، عندما اكتشفوا بضاعتهم كسدت وأنهم خسروا معركة القلوب لأول مرة في تاريخ بلادهم. ولما أيقنوا أن منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «تيك توك» وراء خسارتهم هذه قرروا ضربها، ليس في إسرائيل أو مكان آخر، بل في الولايات المتحدة لسببين رئيسيين، الأول أن الولايات المتحدة هي السوق الأكبر للمنصة (150 مليون حساب نشط) والثاني أن ضربها في الأرض الأمريكية أسهل لهم من ضربها في أي مكان آخر. ففي الولايات المتحدة لديهم حلفاء أقوياء، يتقدمهم «شيوخ» مستعدون لتقديم تضحيات كبرى وعيونهم على الانتخابات المقبلة.
أيّ كلام آخر عن الأمن القومي الأمريكي وغيره مجرد رماد في العيون للتعمية عن الحقيقة: إسرائيل وحرب الإبادة في غزة.
دون تأخير صوَّت مجلس النواب بأغلبية مطلقة (360 صوتا مقابل 58) على قانون يُمهل شركة «بايت دانس» المالكة لـ«تيك توك» تسعة أشهر لبيعها أو مواجهة تبعات منعها في الولايات المتحدة. وفي الأسبوع الأخير من الشهر الماضي مرَّر «الشيوخ» التشريع ذاته بأغلبية مطلقة أخرى.
بسرعة تحركهم وحماسهم للتهديد وسنِّ العقوبات يُعطي «الشيوخ» الانطباع بأنهم لا يستطيعون العيش بلا أزمات، وبأن العالم كله، عدا إسرائيل وأمريكا، لا يعني لهم شيئا.

ولأن غرق إسرائيل في مستنقع غزة أصبح أكثر من مجرد تفاصيل عسكرية، كان لا بد أن يتعاظم جهاد «الشيوخ» ليتناسب مع خطورة الموقف. هكذا هدد بعضهم بفرض عقوبات على دولة جنوب إفريقيا وعزلها، لأنها تجرأت على رفع دعوى في المحكمة الجنائية الدولية تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
لاحظْ أن جنوب إفريقيا لم ترتكب أيّ فعل ولم تتفوه بأي كلام يضر بالأمن القومي الأمريكي أو يهدد المصالح الأمريكية.
وبينما انبرى بعضهم لتهديد جنوب إفريقيا، تفرَّغ آخرون لتهديد قضاة المحكمة الجنائية الدولية، على رأسهم المدّعي كريم خان، وموظفيها وشركائها وعائلاتهم بسبب أنباء عن اعتزام المحكمة إصدار أوامر اعتقال بحق كبار المسؤولين الإسرائيليين. أرسل اثنا عشر «شيخا» رسالة تهديد الى خان تضمَّنت عنفا لفظيا غير لائق بحق المحكمة، ومما جاء فيها: لاحقوا قادة إسرائيل وسنلاحقكم.
ثم جاء دور عاشق الحروب والدماء المسفوكة، السيناتور ليندزي غراهم، لينصح إسرائيل، لأنها «تواجه خطرا وجوديا» بضرب غزة بقنبلة نووية اقتداءً بالولايات المتحدة التي ضربت هيروشيما وناغزاكي بذلك النوع من القنابل عندما واجهت «خطرا وجوديا» هي الأخرى.
لم يصدر هذا الكلام الخطير عن غراهم، يتيم عاشق الحروب الآخر الراحل جون ماكين، في جلسة مغلقة أو بين أصدقاء، وإنما أدلى به دون أن يرف له جفن في مقابلة تلفزيونية شاهدها العالم.
لاحظْ مرة ثانية أن غزة بعيدة عن واشنطن عشرة آلاف كيلومتر، وحماس لا تهدد ولم تقل يوما إنها ستهدد أمن أمريكا أو مصالحها.
نحن أمام حالة سوريالية من الجنون السياسي. لو أن جنوب إفريقيا هددت الولايات المتحدة بمحاكمة دولية لأخذ «الشيوخ» المتحمسون لإسرائيل وقتا أطول قبل التهديد بمعاقبتها وعزلها. ولو تسحب دعواها وتلتزم حدودها ستصبح حليفا لواشنطن في لحظات.
لو أرسلت حماس صواريخ نحو واشنطن لما تجرأ عضو في الكونغرس على الدعوة لحرق غزة بقنبلة نووية.
لا أذكر أن مسؤولا أمريكيا نصح خلال العقود الثلاثة الماضية بضرب كابل بقنبلة نووية ردا على إيواء طالبان تنظيم القاعدة المتهم بهجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001.
ولو تقرر «تيك توك» التضييق على السردية الفلسطينية وتغليب الأكاذيب الإسرائيلية بشأن غزة، ستتوقف هذه الحرب الشعواء عليه في اليوم نفسه.
لماذا كل هذا الجنون؟ فتِّش عن المال، عصب الحياة السياسية ومصدر كل الشرور في الولايات المتحدة.
هؤلاء «الشيوخ» موجودون لمن يدفع أكثر وأسرع. ويحدث أن اللوبيات الداعمة لإسرائيل هي من يدفع أكثر وأسرع، فلا تخاطبهم إلا باللغة التي يفهمون (عندما تحولت اعتصامات طلاب جامعة كولومبيا إلى فضيحة على إسرائيل وحُماتها، وبتنسيق مع السلطات الإسرائيلية، استنفر كبار مليارديرات الولايات المتحدة واجتمعوا بعمدة نيويورك: ندعمك بالمال لإعادة انتخابك العام المقبل وفضّ عنا هذه الاعتصامات ولو بالقوة. وكان لهم ما أرادوا في غضون ساعات).
لو كان الدافع وراء ما يفعل «الشيوخ» شيء من القيم الإنسانية أو البحث عن العدالة والسلام في العالم، لرفع لهم المرء القبعة. لكن هؤلاء يرفضون رؤية العالم إلا لعبة في أيديهم يُشكّلونه وفق مصالحهم ومصالح من يموّل حملاتهم الانتخابية.
العالم مقبل على كوارث ما لم يوضع حدٌّ لبلطجة هؤلاء الناس. فالذي يهدد قضاة المحكمة الجنائية الدولية اليوم دفاعا عن إسرائيل سيهددها غدا إذا أمرها باعتقال الرئيس بوتين وتأخرت، وسيهدد أمين عام الأمم المتحدة ورئيس الاتحاد الإفريقي ورئيس المفوضية الأوروبية، ويعاقب مَن يصوّت لأي قرار أو قانون لا يعجب «الشيوخ» وأسيادهم.

توفيق رباحي

اضف تعليق

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات