طرح السفير الفرنسي في الجزائر الموجود في بلاده، ستيفان روماتي، وجود عائقين أمام العلاقات بين فرنسا والجزائر، هما مشروع قانون تجريم الاستعمار وقضية الصحافي المدان بالسجن في الجزائر كريستوف غليز، معتبرا أن هذين الملفين يجعلان مسار العودة إلى التهدئة أكثر تعقيدا في المرحلة الراهنة.
وأوضح روماتي في حوار له مع إذاعة فرنسا الدولية، أن الإفراج عن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال في 12 نوفمبر شكّل “إشارة” إيجابية في لحظة معينة، متسائلا عما إذا كان ذلك سيؤدي لنتائج ملموسة على العلاقات. وأضاف أن استمرار توقيف الصحافي كريستوف غليز، رغم الإفراج عن صنصال، يمثل “إشارة مضادة” تُضعف أثر تلك الخطوة، ما يعكس وجود تناقض في مسار الانفراج.
وبشأن مشروع القانون الذي صادق عليه البرلمان الجزائري لتجريم الاستعمار الفرنسي، قال السفير إن توقيت هذا التصويت جاء ليعقّد هذا المسار، مشيرا إلى أن السلطات الفرنسية اعتبرت المشروع “شكلا من أشكال العداء تجاه فرنسا”. واعتبر أن الجمع بين استمرار احتجاز غليز ومشروع قانون تجريم الاستعمار يمثل “عقبتين مزدوجتين” تجعلان إرادة استعادة طريق التهدئة مع الجزائر أكثر صعوبة.
وتعود وقائع قضية الصحافي غليز إلى مايو 2024، حين دخل الجزائر بصفة سائح، قبل أن توقفه السلطات القضائية وتتابعه بتهم تتعلق بـ”تمجيد الإرهاب”، على خلفية اتصالاته بحركة “الماك”، المصنفة كمنظمة إرهابية في الجزائر منذ سنة 2021. ثم صدر في حقه حكم ابتدائي بالسجن سبع سنوات في يونيو من العام نفسه، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف الحكم في ديسمبر 2025. وعقب تأييد الحكم، أطلقت عائلة غليز نداء إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من أجل منحه عفوا رئاسيا، مستندة إلى سوابق عفو، من بينها قضية بوعلام صنصال.
وردا على سؤال حول تصاعد التصريحات العدائية من بعض السياسيين الفرنسيين، من برونو روتايو إلى جوردان بارديلا، شدد روماتي على ضرورة عدم ممارسة “التمييز” ضد أي شعب، لافتا إلى أن بعض الخطابات في وسائل إعلام فرنسية لم تكتف باستهداف القادة الجزائريين، بل تجاوزت ذلك إلى استهداف بلد وسكانه، وهو ما يفرض، حسبه، على المسؤولين السياسيين تحمّل مسؤوليتهم في اختيار الكلمات بعناية حتى لا تُستهدف الشعوب.
وبشأن القرار غير الملزم الذي تبنته الجمعية الوطنية الفرنسية بناء على مقترح من حزب التجمع الوطني بدعم نواب من اليمين والوسط حول إلغاء اتفاقية 1968 للهجرة بين الجزائر وفرنسا، والذي رآه رئيس الوزراء الأسبق غابرييل أتال دليلا على استعداد أغلبية سياسية لاعتماد “توازن قوى” مع الجزائر، أكد روماتي رفضه لهذا التوجه، معتبرا أن منطق المواجهة لا يؤدي إلى نتائج. وذكّر بأن وزير الداخلية الفرنسي الحالي لوران نونيز يدعم هذا الموقف، مفضلا نهج قنوات الاتصال التي أعيد تفعيلها خلال الشهرين أو الثلاثة الأخيرة.
وأوضح السفير أن هذا النهج القائم على إعادة قنوات التواصل هو الذي يمكن أن يدفع العلاقات إلى الأمام، خاصة في ملفين أساسيين بالنسبة لفرنسا لأسباب أمنية، وهما استئناف التعاون الأمني واستئناف التعاون في مجال الهجرة، بما يسمح بإبعاد الأشخاص الخاضعين لأوامر مغادرة التراب الفرنسي نحو الجزائر.
وفي ما يخص التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب خلال الأشهر الـ18 من الأزمة، أقرّ روماتي بأن خطورة الأزمة انعكست في “تعليق شبه كامل” لهذا التعاون، غير أنه أكد إعادة فتح قنوات الاتصال بين باريس والجزائر منذ بضعة أسابيع.
وذكر في هذا السياق، أن زيارة الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية آن-ماري ديسكوت إلى الجزائر في 20 نوفمبر الماضي، جاءت في إطار استئناف القنوات الأمنية، كما أسهمت في إعادة قناة دبلوماسية للمرة الأولى منذ يوليو 2024، ولا سيما لمعالجة ملف أزمة الساحل.
وبخصوص زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر، أوضح السفير أنه تلقى دعوة في نوفمبر 2025، وردّ عليها معربا عن رغبته في القيام بالزيارة، مشيرا إلى أن التحضير لها يجب أن يتم على أساس الملفين اللذين جرى التطرق إليهما مرارا، وهما الأمن والهجرة.
أما عن احتمال عودته شخصيا إلى الجزائر في 2026 بعد أكثر من ثمانية أشهر قضاها في فرنسا، فقال روماتي إن عام 2025 كان “سنة صعبة جدا”، معربا عن أمله في أن يكون 2026 عاما للخروج من هذا “المأزق”، مؤكدا استعداده للإسهام في ذلك “كما يمكن أن يُتصور”.
وتتزامن تصريحات السفير الفرنسي مع محاولات غير مباشرة يقودها نواب لإعادة تهيئة الأجواء لاستئناف عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، حيث صرحت البرلمانية الفرنسية صبرينة صبايحي خلال زيارتها الأخيرة للجزائر، أن القطيعة بين الحكومات تفرض على البرلمانيين لعب دور قنوات تواصل بديلة.
ولم تخف صبايحي ذات الأصول الجزائرية في حوارها مع جريدة “الخبر”، تأييدها المبدئي لمشروع قانون تجريم الاستعمار في الجزائر، معتبرة أنه يشكل مدخلا سياسيا وأخلاقيا لإعادة ضبط العلاقة الجزائرية الفرنسية على أساس الحقيقة التاريخية، بعيدا عن القراءات الانتقامية التي يسعى اليمين واليمين المتطرف في فرنسا لفرضها على الماضي.
وقالت البرلمانية وهي نائبة رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية بين الجزائر وفرنسا، إن الاعتراف بجرائم الاستعمار شرط أساسي لبناء علاقة تليق بعمق الروابط بين الشعبين، مؤكدة أن الاستعمار الفرنسي ارتكب “جرائم فظيعة ضد الإنسانية”، وأن اعتراف فرنسا بهذا الماضي سيعزز مكانتها الدولية بدل الإضرار بها.
وفي ما يتعلق بقضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، كشفت صبايحي لأول مرة عن مساع من طرفها من أجل الإفراج عنه، موضحة أن هذا الملف كان من بين المواضيع التي طرحتها خلال لقائها برئيس المجلس الشعبي الوطني في الجزائر إبراهيم بوغالي، إلى جانب القضايا الثنائية والدبلوماسية البرلمانية والتعاون الأمني ومكافحة تغير المناخ.
وكان السفير الفرنسي في الجزائر، ستيفان روماتي، قد استدعي إلى باريس في أبريل 2025 في قرار غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين، وذلك بعد أن أمرت الجزائر بطرد 12 موظفا دبلوماسيا من أراضيها، على خلفية توتر غير مسبوق بين الجزائر وباريس، بعد اعتقال مسؤول قنصلي جزائري في فرنسا.

تعليقات الزوار
لا تعليقات