كشفت البرلمانية الفرنسية صبرينة صبايحي عن موقفها من مشروع قانون تجريم الاستعمار في الجزائر، معتبرة أن هذا النص يمكن أن يشكل مدخلا سياسيا وأخلاقيا لإعادة ضبط العلاقة بين الجزائر وفرنسا على أساس الحقيقة التاريخية، بعيدا عن محاولات اليمين واليمين المتطرف فرض قراءة انتقامية للماضي.
وأكدت صبايحي وهي نائبة رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية بين الجزائر وفرنسا في تصريحات لجريدة “الخبر”، أن الاعتراف بالجرائم المرتبطة بالاستعمار هو شرط أساسي لإقامة علاقة تليق بغنى الروابط بين الشعبين، مشددة على أن الاستعمار الفرنسي، مثل كل أشكال الاستعمار، ارتكب “جرائم فظيعة ضد الإنسانية”، وأن فرنسا ستزداد مكانة في نادي الأمم إذا اعترفت بهذا الماضي بدل إنكاره.
وأوضحت البرلمانية أن اعتماد مشروع القانون في الجزائر بالإجماع متجاوزا الانقسامات الحزبية، يعزز قراءتها لهذا الملف، التي تقوم على “ضرورة بناء علاقة قائمة على الحقيقة التاريخية قبل أي حديث عن تطبيع أو شراكة متقدمة”، معتبرة أن التشريع والاعتراف بالوقائع التي أقرها المؤرخون هما السبيل لتجنب ما وصفته بـ”حرب الذاكرة”، وأن الأمر لا يتعلق بإهانة فرنسا بل بالانسجام مع تاريخها.
وفي السياق ذاته، حمّلت اليمين واليمين المتطرف في فرنسا مسؤولية ملاحقة الرئيس إيمانويل ماكرون بعد حديثه عن “جرائم ضد الإنسانية”، وقالت إن هذين التيارين يفرضان اليوم “أجندة انتقامية عفنة تجاه الجزائريين”، في محاولة لعرقلة أي مسار اعتراف أو مصالحة تاريخية.
وبخصوص زياراتها المتكررة إلى الجزائر، قالت صبايحي إنها تنطلق من قناعة مفادها أنه عندما تكون العلاقات بين الحكومات مسدودة أو معرقلة أو مجمدة، فإن على البرلمانيين أن يضطلعوا بدور يضمن استمرار وجود محاورين رفيعي المستوى بين البلدين، مؤكدة أن تعزيز العلاقات بين الشعوب وقضايا الذاكرة والثقافة والشباب هي المسارات التي تسعى إلى استكشافها في كل زيارة، في إطار علاقة صداقة قائمة على قدم المساواة.
وكان البرلمان الجزائري قد صوّت على نص قانوني يتكون من خمسة فصول و27 مادة، يهدف إلى تأطير تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر من خلال تحديد أهداف التشريع، وحصر الجرائم المرتكبة خلال الحقبة الاستعمارية، وضبط المسؤولية القانونية للدولة الفرنسية، إلى جانب وضع آليات للمطالبة بالاعتراف والاعتذار الرسميين، وتجريم كل أشكال تمجيد الاستعمار أو الترويج له.
ويؤسس القانون في مادته الأولى لإطار مبدئي يؤكد أن الجزائر، استنادا إلى تضحيات شعبها وتمسكه بوحدته الوطنية وهويته الثقافية، تناهض الاستعمار بكل أشكاله وتدين ممارساته، وتلتزم بدعم الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تصفيته. أما المادة الثالثة فتمنح توصيفا قانونيا صريحا للاستعمار الفرنسي باعتباره “جريمة دولة”، بما يحمله ذلك من أبعاد قانونية وسياسية تربط الانتهاكات بمسؤولية كيان سيادي. وتنسجم هذه المقاربة مع المادة الرابعة التي تلزم الدولة الجزائرية بكشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار ونشرها، تأكيدا لمركزية الذاكرة والتوثيق.
ويعد الفصل الخاص بجرائم الاستعمار من أكثر فصول النص تفصيلا، إذ تسرد المادة الخامسة قائمة واسعة من الجرائم، تشمل القتل العمد، والهجمات ضد المدنيين، والاستخدام المفرط للقوة والأسلحة المحرمة دوليا، بما في ذلك زرع الألغام والتجارب النووية، مع ما تحمله من آثار إنسانية وبيئية طويلة الأمد. كما تمتد الجرائم إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، مثل نهب الثروات، ومصادرة الممتلكات، والتمييز العنصري، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من تعذيب ونفي واختفاء قسري واحتجاز خارج القانون.
ويولي النص اهتماما خاصا بالانتهاكات الثقافية والدينية، من تدنيس دور العبادة ومحاولات طمس الهوية الوطنية، إلى الاعتداء على حرمة الموتى، إضافة إلى ممارسات مثل التجنيد الإجباري والمحاكم الخاصة. وتؤكد المادة السادسة مبدأ عدم التقادم، بنصها على أن جرائم الاستعمار لا تسقط بمرور الزمن، فيما تجرّم المادة السابعة كل أشكال التعاون مع السلطات الاستعمارية وتعدّها خيانة عظمى.
من جانب آخر، وعن وضع العلاقات الجزائرية الفرنسية، قالت صبايحي إنها كانت تعتقد في مرحلة ما أن الوضع “لا يمكن أن يكون أسوأ”، لكن الأمور واصلت التدهور، قبل أن تضيف أنها لاحظت منذ رحيل برونو روتايو، الذي كان قد استغل هذه المسألة لأغراض سياسية “دنيئة”، عودة قدر من الهدوء قد يكون ملائما للحوار، مؤكدة أن البلدين بحاجة أحدهما إلى الآخر، وأن المطلوب هو النظر بوضوح إلى الماضي والاعتراف به، بالتوازي مع التوجه نحو المستقبل.
وفي حديثها عن لقائها برئيس المجلس الشعبي الوطني في الجزائر إبراهيم بوغالي، أوضحت أنه تناول مجمل القضايا المتعلقة بالعلاقة الثنائية، مشيرة إلى أهمية استمرار تبادلات معمقة على أعلى مستوى، بما في ذلك في المجال الأمني، وأن المحادثات شملت الدبلوماسية البرلمانية ومصير المواطن الفرنسي كريستوف غليز، إضافة إلى النضال المشترك ضد تغير المناخ.
وهذه أول مرة تكشف فيها صبايحي وهي ذات أصول جزائرية وتحظى باحترام في الأوساط الجزائرية، عن مساع من طرفها للإفراج عن الصحافي كريستوف غليز، والذي تعود وقائع قضيته إلى ماي 2024، حين دخل الجزائر بصفة سائح، قبل أن توقفه السلطات القضائية وتتابعه بتهم تتعلق بـ”تمجيد الإرهاب”، على خلفية اتصالاته بحركة “الماك”، المصنفة كمنظمة إرهابية في الجزائر منذ سنة 2021. ثم صدر في حقه حكم ابتدائي بالسجن سبع سنوات في يونيو من العام نفسه، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف الحكم في ديسمبر 2025، ليصبح قابلا للطعن بالنقض أمام المحكمة العليا. وعقب تأييد الحكم، أطلقت عائلة غليز نداء إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من أجل منحه عفوا رئاسيا، مستندة إلى سوابق عفو، من بينها قضية بوعلام صنصال.
وقد تحولت قضية غليز، في فرنسا، إلى موضوع سجال سياسي وإعلامي، برزت فيها أصوات متشددة بينها وزير الداخلية السابق برونو روتايو، ورئيس حزب الجمهوريين حاليا، والذي دعا مؤخرا إلى إحياء خطاب “القبضة الحديدية” في التعامل مع الجزائر من أجل الإفراج عن الصحفي. في المقابل، أكد مسؤولون حكوميون فرنسيون التمسك بالمسار الدبلوماسي لمعالجة هذا الملف مع السلطات الجزائرية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات