أخبار عاجلة

الرئيس والوزير في الجزائر نخب منقسمة على ذاتها ثقافيا وفكريا

لم يأت وزير التربية الحالي بالجديد، وهو يعلن عن إدخال بعض الإصلاحات على المؤسسة التربوية، في وقت كان فيه الجزائريون في عطلة، وقد جرت العادة لدى وزرائنا، مفاجأتنا بإصلاحاتهم ونحن في عطلة الصيف الطويلة، تمتد لأشهر، يستغلونها للإفصاح عن القرارات التي يتخذونها، بعيدا عن أي نقاش اجتماعي كان المفروض أن يشارك فيه الأولياء وهيئات التدريس، ومن يمثلهم من تنظيمات اجتماعية ونقابية، تمتد لعالم الشغل في هذا الزمن، الذي تسارعت فيه التحولات التكنولوجية والعلمية، كما هو حاصل مع الذكاء الاصطناعي هذه الأيام.
تعديلات مست هذه المرة تدريس مادة الفلسفة في المرحلة الثانوية، بعد أن فقدت هذه المادة المحورية في المقرر التربوي الكثير من حيويتها الفكرية، ونقديتها داخل المنظومة التعليمية الجزائرية منذ سنوات طويلة، بالإضافة إلى تأخير تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة في المرحلة الابتدائية، وتقديم مادة اللغة الإنكليزية إلى السنة الثالثة بدلا عنها، بكل الحساسية التي يعرفها موضوع اللغات في الحالة الجزائرية الانقسامية.
لفهم هذا التوقيت الغريب في الإعلان عن قرارات الإصلاحات، لا بد من العودة إلى ما يميز الصراع الاجتماعي بغطائه الثقافي الفكري والسياسي، الذي تعيشه الجزائر حول المدرسة، منذ استقلال البلاد، بين نخب منقسمة على ذاتها ثقافيا وفكريا، تريد ضمان سيطرتها على المدرسة كمؤسسة للهيمنة، في غياب المجتمع الذي تريد منه أن يبقى بعيدا، عندما تتخذ هذه القرارات أثناء عطلة الصيف، علما بأن جزءا على الأقل من هذا المجتمع ـ الفئات الوسطى العصرية ـ يكون قد بدأ في نفض يديه من هذه المدرسة، التي لم يعد يعول عليها كمصعد اجتماعي، وهو يتوجه جزئيا نحو المدرسة الخاصة – توجه يدعمه لاحقا عبر التعليم الجامعي الغربي – التي يريد من خلالها إعادة إنتاج سيطرته وفرض خياراته القيمية، المربوطة لديه بالتحكم في اللغات الأجنبية، الفرنسية على وجه الخصوص،

هذا ما يكون قد انتبه له رئيس الجمهورية، الذي قرر إعادة الأمور إلى نصابها ورفض اجراء أي إصلاحات تمس المدرسة من خارج مجلس الوزراء، كما حاول وزير التربية الحالي أن يقوم بذلك اعتمادا على ميزان قوى مؤيد له داخل مؤسسات بيروقراطية في وزارة التربية وبدعم سياسي وأيديولوجي من قوى محافظة حاضرة اجتماعيا، تستطيع أن تحفزها مواقف الوزير، زيادة ربما على ما لمسه من قرب له من الرئيس، الذي عمل معه كمستشار في القضايا التربوية، قبل تعيينه وزيرا لهذا القطاع المهم والحيوي في الحالة الجزائرية، بعيدا عن أعين المجتمع، داخل نظام سياسي يحتل فيه الوزير تقليديا مكانة متواضعة في صناعة واتخاذ القرار تحديدا، عندما تكون في ميدان التربية التي لا تحظى بتوافق بين القوى الاجتماعية- السياسية، عادة ما يكون وزير التربية أحد أطرافها، كما ظهر أكثر من مرة في تاريخ الجزائر، أكده الصراع الكبير على موقع وزارة التربية الذي تريد كل القوى الحاضرة اجتماعيا وسياسيا تنصيب أحد أبنائها على رأسه،
عكس رئيس الجمهورية، الذي يملك صلاحيات واسعة في صناعة القرار واتخاذه، تجعله من المفترض، غير خاضع للضغوط الاجتماعية والسياسية التي يعيشها الوزير، يمكن أن تجعله قادرا على الدفاع عن قراراته والوصول بها إلى مرحلة التطبيق، من دون صعوبات كبيرة، الرئيس الذي يكون عادة أكثر قدرة ومراعاة على فهم التوازنات الاجتماعية ـ السياسية في هذا النظام السياسي الذي ما زال تحت سيطرة السلطة التنفيذية التي يمثلها رئيس الجمهورية، حاولت قوى سياسية متنوعة الضغط عليه في أوقات سابقة عرفتها الجزائر.
في وقت يتربع على منصب رئاسة الجمهورية في الجزائر، رئيس جامعي- لأول مرة في التاريخ الثقافي ـ السياسي – مزدوج اللغة، لم يعرف عنه كشخص حمولة أيديولوجية كبيرة، كما كان حال أغلبية رؤساء الجزائر من أبناء المدرسة الوطنية، يمكن أن تساعده في الابتعاد عن الانخراط في الصراعات الأيديولوجية التي تنخر جسم النخب السياسية في الجزائر، وضع يتأكد ونحن نعاين مساره البيروقراطي داخل مؤسسات الدولة الوطنية، التي عمل فيها داخل مواقع التسيير كوالٍ ووزير لعدة سنوات في قطاعات يغلب عليها الطابع التقني، على غرار وزارة السكن التي عرف من خلالها.
منصب رئيس الجمهورية في النظام السياسي الجزائري المهم في اتخاذ القرار وصناعته، الذي يحتاج في هذا المجال التربوي بالذات بالصراعات التي يعرفها إلى مؤسسات تفكير ونقاش اجتماعي لا تتوفر لديه في الوقت الحالي، أو لا تشتغل بالطريقة المثلى حتى وهي حاضرة على الورق، كما هو حال مؤسسات البحث -داخل الجامعات ومراكز البحث المتخصصة في المجال التربوي – يمكن الاعتماد عليها في صناعة القرار عندما يتعلق الأمر بالمدرسة، التي يكثر حولها السجال في الحالة الجزائرية بالصراعات الثقافوية التي تعرفها، يمكن أن تعوض من جهة أخرى الانغلاق الذي يعرفه النظام السياسي، بانعدام مؤسسات الحوار الذي يميزه كما هو حاصل ونحن ننظر إلى الاعلام السمعي – البصري الثقيل الذي يعرف غيابا شبه كلي لكل نقاش تربوي جدي، رغم توفر أكثر من قناة تلفزيونية تطلق على نفسها صفة الثقافة والعلم. الشيء نفسه الحاصل بالنسبة للمؤسسة التشريعية بغرفتيها، التي يمكن تصور أن تقوم ببعض هذه الأدوار لصالح المجتمع ككل وليس لصالح طرف واحد على شكل لجان برلمانية تقوم بحفظ المؤسسة التربوية، الشيء نفسه بالنسبة لخلق مجلات ووسائط اجتماعية في المجال التربوي تقوم بتطوير الأثر الاجتماعي لهذا البحث، حتى لا تبقى محصورة بين أصحاب الاختصاص وتحت هيمنة القوى السياسية والفكرية التي تتعامل مع المدرسة
كـ «هبرة كبيرة» تريد في كل صيف الانقضاض عليها بعيدا عن مراقبة المجتمع والقوى المنافسة، في مجتمع يعرف ضراوة كبيرة عندما يتعلق الأمر بالصراع الثقافي ـ الايديولوجي بين قوى اجتماعية- وسياسة تريد أن تعيد إنتاج نفسها عبر السيطرة على المدرسة، وكأنها ترفض ما تحقق من تطور إيجابي بعد الاستقلال على شكل انحسار للصراعات الأيديولوجية حول اللغة لدى الأجيال الصغيرة في السن من أبناء الاستقلال، تريد إعادة الجزائر إلى المربع الأول بعد انقضاضها على مقاليد السلطة على رأس وزارة التربية، وهو ما جعل رئيس الجمهورية يصر على رفض كل صراع سياسي ـ ايديولوجي داخل المؤسسة التربوية، التي يجب أن يقتصر دورها على البعد التربوي والبيداغوجي، دون غيره، كما جاء في آخر اجتماع لمجلس الوزراء.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات