قفزت أسعار بعض شحنات النفط الفعلية في أوروبا إلى أكثر من 130 دولارا للبرميل، في واحدة من أوضح إشارات الضغط الذي بات يفرضه اضطراب طرق الإمداد في الشرق الأوسط على سوق الطاقة العالمية، فيما اقترب خام برنت في العقود الآجلة من 110 دولارات. وبلغ سعر خام فورتيس من بحر الشمال 136.75 دولاراً للبرميل، مقترباً من مستواه القياسي البالغ 147.37 دولاراً المسجل في أبريل/نيسان.
ولا تعني هذه القفزة أن السعر العالمي للنفط تجاوز بالفعل 130 دولاراً، إذ يتعلق الرقم بأسعار شحنات فعلية يجري تسليمها خلال أسابيع، بينما تعكس العقود الآجلة تسعير تسليمات مستقبلية، لكن الفارق بين المستويين يحمل دلالة مهمة، فهو يعكس استعداد المشترين لدفع علاوة كبيرة للحصول على إمدادات متاحة في الأجل القصير، بعدما أصبحت سلامة تدفق النفط أكثر أهمية من السعر النظري للعقود الآجلة.
وجاءت القفزة في وقت تتراكم فيه اضطرابات متعددة، فقد ألغت السعودية شحنات موجهة إلى مشترين أوروبيين للتسليم في أواخر سبتمبر/ايلول، بعدما أدى هجوم على خط أنابيب شرق-غرب إلى تعليق عمليات التحميل من ميناء ينبع على البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، أدى توقف الإنتاج في ثلاثة حقول ليبية إلى إضافة عامل آخر من عوامل القلق على المعروض.
وتزداد حساسية السوق لأن البدائل نفسها تواجه قيوداً، فمضيق هرمز مر عبره في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والسوائل النفطية، بما يعادل نحو 20 في المئة من استهلاك السوائل النفطية العالمي، بينما يوفر خط أنابيب شرق-غرب السعودي وخط أبوظبي مسارات بديلة محدودة القدرة.
أما باب المندب والبحر الأحمر، فتعطلهما لا يوقف النفط فقط، بل يرفع تكلفة ومدة وصوله. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح قد يضيف نحو 15 يوماً إلى رحلة النفط بين بحر العرب وأوروبا، بما يرفع تكاليف الشحن ويزيد الحاجة إلى ناقلات إضافية.
والأكثر إثارة للقلق أن التأثير بدأ يظهر في المعروض الفعلي وليس فقط في توقعات المضاربين، فقد قدرت إدارة معلومات الطاقة أن كميات إنتاج النفط المتوقفة بلغت في أغسطس/اب نحو 6.7 ملايين برميل يومياً، مقابل 5 ملايين برميل في يوليو/تموز وتتوقع استمرار قيود تدفقات الشرق الأوسط خلال الربع الأخير من 2026.
ومن هنا يمكن النظر إلى تجاوز بعض الشحنات حاجز 130 دولاراً باعتباره إنذارا مبكراً لما يمكن أن يحدث إذا استمرت أزمة هرمز بالتزامن مع اضطرابات باب المندب والبحر الأحمر. ولا يعني ذلك أن برنت سيصل تلقائياً إلى 130 دولاراً أو أكثر، لأن حجم الارتفاع سيتوقف على مدة الاضطرابات، وحجم الإنتاج المتوقف، وقدرة المنتجين والمستهلكين على استخدام المخزونات والمسارات البديلة.
لكن استمرار الأزمة يرفع احتمال انتقال المشكلة من علاوة مخاطر مؤقتة إلى نقص فعلي في الإمدادات. وقد أشار محللون نقلت عنهم رويترز إلى إمكانية تجاوز برنت 120 دولاراً إذا استمرت الاضطرابات.
سياسياً، ستتجاوز تداعيات ذلك أسواق النفط. ارتفاع الطاقة يمكن أن يرفع تكاليف النقل والصناعة والتدفئة ويزيد الضغوط التضخمية، ما يضع البنوك المركزية أمام خيارات أكثر صعوبة. وفي الولايات المتحدة، حيث تجرى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، يمكن أن تصبح أسعار الوقود والتضخم جزءاً أكثر حضوراً في النقاش الاقتصادي والسياسي، من دون أن يعني ذلك مسبقاً اتجاهاً انتخابياً معيناً. وتجرى انتخابات مجلس النواب بالكامل، فيما يُنتخب نحو ثلث مجلس الشيوخ في الانتخابات النصفية.
وبذلك لا تكمن أهمية رقم 130 دولاراً في الرقم ذاته، وإنما في الرسالة التي يبعثها: كلما تقلصت قدرة السوق على الوصول إلى النفط الموجود أصلاً، ارتفعت قيمة كل شحنة قابلة للتسليم، وأصبح استمرار الأزمة أخطر من مستوى السعر الحالي.

تعليقات الزوار
لا تعليقات